سلة الفرح ,, خاصتي

| نشرت في: 2011-08-27 |




 

 

كتاب

سلةُ الأنُس والفرح .. تعال لتنسى أحزانك

بسم الله والحمدلله .. وبعد

هكذا راودتني سلة الفرح عن نفسهــــــا ..!

راودتني فكرة السلة المرحة .. بعدما أصدرت تقويماً لوزارة الأوقاف .. كان التقويم عبارة عن كتاب داخله تقويم ! ففي كل صفحة تفتحها جعلت فيها فائدة ، وهناك كتبتُ قصة مؤثرة ، وبعدها قصة مليحة .. وصفحة أخرى أقسرك فيها قسراً على الضحك وربما ستقع على صفحة تبكيك أيضا..!..ثم تراني وقد انتقلت بكم إلى واحة أدبية .. وهكذا كان حال التقويم الذي طُبع منه عشرة آلاف نسخة لكنها نفذت بلمح البصر ..!

n أصبحت بعدها كلما التقيت أحدهم .. أراه يحدثني عن التقويم ..يقسم لي بعضهم أنه صلى الفجر ثم فتح التقويم يتصفحه فإذا به ينطلق في عالم آخر.. فحان وقت الإفطار ، فلم يفطر .. ثم أذن الظهر فذهب يصلي ورجع إليه يقرأ وكأنه طفل قد أولع قلبه بلعبة جديدة ..! وبقى صاحبنا هكذا حاله ولم يفلته من يده إلا بعد أذان العصر .. قال لي لو كنت أعلم أن تقويمك سيفعل بي ذلك لنويت الصيام في ذلك اليوم فلا فطور ولا غداء حتى أنهيت آخر صفحة منه ..!

n ملاحة ذلك التقويم .. وطرافة ما صنعت يداي وجمعت .. وأجمل بلاغة وأرق بيان كنت قد رسمته للناس في مقالاتي الأدبية ومحاضراتي القصصية سأضعها بين يدي كل قارئ في سلة الفرح هذه ..في هذا الكتاب .. ستقرأ قصة ربما كنت تعرفها وسبق لك أن قرأتها .. لكني أزعم بأنك لن تتذوقها كما ستتذوقها عندي.. فألوانها ستكون مختلفة وكذلك إطارها أيضا.. وإذا لم أفعل ذلك فلا بد أن أكسر القلم إذن .. وليصلحه ويكتب فيه من يمتلك الموهبة.

ولكني أقسمتُ .. بأنني قبل أن ابدأ معكم بأي حديث أو أي كلام حفظَتَهُ في صدري وجهزت له شفتي ولساني وقلمي .. أقسمت إلا  أن أبدا أولاً بخير ما يَبدأُ به المحبين والوالهين وإن شئت فقل العاشقين ! أن نبدأ بذكر الحبيب ..! وأي حبيب هو ؟ وأي طبيب ؟ إنه حبيب الله وخليله وسيد المرسلين وخاتَم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم .. ولا والله لا نلوم ذلك الشاعر الذي يقول ..

محمدٌ بشرٌ وليس كالبشر .. محمدٌ ياقوتةٌ والناس كالحجرِ ..

ذلك الرحمةُ المهداة والذي بدأت قصتهُ في تلك الجزيرةِ النائيةِ وفي عمق الصحراءِ القاحلةِ عندما كان هناك قومٌ يُسمّونَ العربُ وكان هؤلاء العربُ ممزقين سلوكياً ممزقين اجتماعِيا .. اقتصادياً .. سياسياً ..عسكرياً ممزقين حتى عقلياً ، حتى إنك لتجدُ العربِيُ منهم يصنعُ إلهةً من التمر ثم يعبده حتى إذا جاع ومغَصَ الجوع بطنه .. تلفت يميناً .. تلفت شمالاً ..  لا يوجد  أحدٌ هناكَ يراهُ ، انقض على التمر وأَكَل آلهته !!

...بل أن الإمام أبو رجاء العُطاردي وهو من أوائل التابعين ومن حفظة وقراء القرآن الكريم .. وهو ممن أسلم بعد فتح مكة .. ولكنه لم يشاهد النبي .. ينقل عنه الإمام الذهبي في كتاب سير إعلام النبلاء في الجزء الرابع أنه يقول : والله ما رأيت أناساً كانوا أضل من العرب ..! فلقد كانوا يجيئون بالشاة البيضاء الحسنة اللون فيعبدونها .. ولأنها صارت إله عندهم فلا يضعون القيد عليها .. فتسرح في البر وترعي كما تريد حتى يصبحوا ولا يجدون من شاتهم سوى بقايا من

 صوفها وعظام سيقانها فلقد تناهشتها الذئاب في الليل .. يقول ثم يبحثوا لهم عن شاة بيضاء أخرى ليعبدوها ..!!

ضياع ما بعده ضياع ...!

              * الكرمُ لديهم هو البذخُ والإسراف ، النصرةُ هي القتلُ والثأر ، الشرفُ هوَ وَأَدُ البناتِ وَقتْلُهُن ، تقاليدٌ قاسيةٌ لا دينٌ .. لا أخلاقٌ .. وهكذا وبين هاتيك الرُّبا وفي تلك الصحراءِ ، وفي ليلةٍ زهراءَ قمراءَ ، ترجرجت الرياح بالبشرى وابتسم ثغر الكونِ ابتسامةً حسناء بيضاء ولدت معها لؤلؤة السماء محمد صلى الله عليه وسلم فاستبشر الكون والبحر وتنفس الكون الصعداء  وتفجرت القوافي من شفاه وأفواه الشعراء :

         تجلى مولد الهـــادي ..          وعمت بشائره البوادي والقِصابا

       وأسدت للبريةِ بنتُ وهـبٍ           يـداً بيضاء طوقت الرِقــابا

                        لقد وضـعته وهاجاً منيراً             كـما تلد السماوات الشِهابـا

                      فقام على سماء البيت نـوراً             يضئ جبالَ مكَة والنقـابــا 

        

إن أردت أن تتحدث عن فضله فلسوف تعجز أن تجد من يدانيه فضلاً من المخلوقين .. كيف لا وهو أعلى رتبة حتى من سيدنا جبريل عليه السلام  فهاهو يصل إلى سدرة المنتهى ويكون قاب قوسين أو أدنى من ذات الله العلية بينما جبريل يقول ( لو اقتربت احترقت ) ! وأي ثناء نزيده على خُلقه الكريم والله تعالى يقول عنه (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ )؟ وصدقت زوجته الصديقة وأمنا الطاهرة أم المؤمنين عائشة رضي عنها عندما سئلت عن خلقه فقالت (كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآن )

وصدق القائل :               قالوا امتدح خير البرية احمدا ... بقصيدة تشدو برفعة شأنه

                                 فأجبتهم ماذا أقول بمدح من ... أثنى عليه الله في قرآنـه ؟

وها هو يصف نفسه عليه السلام فيقول ( أَلَا وأني حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَقَ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِي فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَلَا فَخْرَ .. )

وأما عن كرمه وبذله وعطائه فهو الذي قالوا عنه ( يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ) وصدق القائل :

                  من قاس جودك بالسحب أخطأ مدحك .. السحب تُعطي وتبكي وأنت تعطي وتضحك ...!

صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وأصحابه الغر الميامين ومن أتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماًً كثيرا .

* يروي لنا الإمام الحُسَيْن عَنْ أَبِيهِ المرتضى علي بن أبى طالب رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ قَالَ الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ صلى الله عليه وسلم ..

ويقول تعالى ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) اللهم صلي على نبيك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الغر الميامين .. واحشرنا مع زُمرته .. آمين .. آمين يا رب العالمين .

قصة الصراع الأولى ,,

قِصَصُ الصراعِ بين الحق بين والباطل بدأت منذ أن نفخَ الله الروح في جسد أبينا آدم ورفض إبليسُ أن يسجد له حسداً منه وغيرةً .. وتفجر الصراع أكثر وبدأت القصص تزداد منذ أن أرسل الله أنبيائه وَرُسَلَهُ إلى عبادهِ  .. ولكن ..

من اللئمِ حقاً ومن العيب والله أن نبدأ معكم بقصص السالفين وكذلك الحاضرين من دون أن نبدأ ولو  بقصةٍ يتيمة من قِصص ذلك الذي لا يحلو الحديثُ إلا بحديثه ولا يزينُ الكلامُ إلا بذكره  .. وقصته التي سأرويها لكم الآن هي القِصَةُ الأصل وهي المحور التي وُلدت من بعدها كل قِصص الخير والشر من بعد   بعثته صلى الله عليه  وآله وسلم ..

نحن الآن في مكة المكرمة وفي صبيحة يومٍ مشرق من أيامها .. النبي صلى الله عليه وآله وسلم متكأُ على حائطٍ في بيته يذكر الله رب العالمين .. وبينما هو كذلك .. إذ يتنزلُ الوحيُ من السماء فيتفصد النبي عرقاً وتسمع خديجةٌ رضي الله عنها من النبي صوتاً كصَلَصلةِ الجرس .. فعلمت أنه الوحي قد تنزل من السماء وبعد قليل سُري عن رسول الله فكان الذي قد أُوحي إليه هو قوله تعالى  ((وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ )) فخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الْبَطْحَاءِ .. إلى تلك الصحراء فَصَعدَ عَلَى جبل الصَّفَا منادياً :

يَا  بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ياَ بَنِي فِهْرٍ يَا بَنِي لُؤَيٍّ  يَا بَنِي عَدِيٍّ يَا صَبَاحَاهْ .. فَقَالُوا مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ .. من هذا الذي ينادي على قريش كُلّهاَ فقَال الناس هذا مُحَمَّدٌ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ من كل حَدَبٍ وصوب ..

فَجَعَلَ الرَّجُلُ منهم إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ ليعرف الأمر أَرْسَلَ رَسُولًا أو غُلاماً له  لِيَنْظُرَ مَا هُوَ الخبر فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ يقف في مقدمة الجمع ومن خلفه قُرَيْشٌ .. وأكتظَ الناس في أسفل الجبل والنبي ما زال ينادي في الناس ..

 فقالوا ما وراءك يا محمد .. ما الذي حدث ..؟! فَقَالَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم :: أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا خلف هذا الْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ..؟

قَالُوا نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كذباً قط .. فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ فَقَالَ عمه أَبُو لَهَبٍ ونفض يديه من التُراب وأخذ يُشير إليه ويقول : تَبًّا لَكَ يا مُحمد سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا ..!

 فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبلٌ من مسد ..

تبت يدا أبي لهب وتب أي هلك وخَسِر في الدنيا والآخرة .. ولقد هلك أبو لهب وصار الآن تُراب ولكن مفعول هذه الآية ما زال سارياً على كل من هو على منهج أبو لهب وعلى مدرسة أبو لهب .. فكل من يرفض دين محمد فتبت يداه .. وكل من يعطل شريعة محمد فتبت يداه .. وكل من يشتم دين محمد ويستهزأ بشرع محمد فتبت يداه وهلك مع جده أبو لهبٍ وجدته أم جميل حمالة الحطب .. !

 

من ذلك الحين .. ومنذ أن نزل محمدٌ عليه الصلاة والسلام من جبل الصفا .. تفجر الصراع من جديد بين الحق والباطل بين النور والظلمة ..

ومن ذلك الصراع تفجرت روائع من القصص .. فتلك ملمحةٌ عظيمة .. وهناك نرى رجلاً بألف رجل وجيوش تلتقي وتتقاتل .. وأممٌ تُزال ..ويكسر تاجٌ ويسلب صولجان .. ونحن من هذه الحُزمة التاريخية والروائع القصصية والجواهر الأدبية .. سنضع بين يديكم سلسلةٌ تسمى (( هذه أقاصيصي .. ))

وسنرى من خلالها الصراعُ بين الحق والباطل .. بين الكُفر والإيمان .. وسنرى معاً أيضاً صفحة أخرى من التاريخ أكثر إشراقاً وبهاءً .. ومرحاً ..

n وهكذا تحولا النسرين الأبيضين إلى ملكين !

روى الإمام أحمد والدرامي أن النبي صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان جالساً بين أصحابه فقال لَهُ رَجُلٌ كَيْفَ كَانَ أَوَّلُ شَأْنِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ كنت أقيم عند حَاضِنَتِي مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَابْنٌ لَهَا فِي بَهْمٍ ( نرعي الماشية ) لَنَا وَلَمْ نَأْخُذْ مَعَنَا زَادًا فَقُلْتُ يَا أَخِي اذْهَبْ فَأْتِنَا بِزَادٍ ( طعام ) مِنْ عِنْدِ أُمِّنَا فَانْطَلَقَ أَخِي وَمَكَثْتُ عِنْدَ الْبَهْمِ فَأَقْبَلَ طَائِرَانِ أَبْيَضَانِ كَأَنَّهُمَا نَسْرَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَهُوَ هُـوَ !؟ قَالَ الْآخَرُ نَعَمْ فَأَقْبَلَا يَبْتَدِرَانِي ( أي يتنافسون عليّ ) فَأَخَذَانِي فَبَطَحَانِي لِلْقَفَا ( أي مددوه على الأرض ) فَشَقَّا بَطْنِي ثُمَّ اسْتَخْرَجَا قَلْبِي فَشَقَّاهُ ! فَأَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَتَيْنِ سَوْدَاوَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ ائْتِنِي بِمَاءِ ثَلْجٍ فَغَسَلَ بِهِ جَوْفِي ثُمَّ قَالَ ائْتِنِي بِمَاءِ بَرَدٍ فَغَسَلَ بِهِ قَلْبِي ثُمَّ قَالَ ائْتِنِي بِالسَّـكِينَةِ فَذَرَّهُ     ( نثره ) فِي قَلْبِي ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ حُصْهُ ( أي خيطه ) فَحَاصَه وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اجْعَلْهُ فِي كِفَّةٍ وَاجْعَلْ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِهِ فِي كِفَّةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْأَلْفِ فَوْقِي من الناس أُشْفِقُ أَنْ يَخِرَّ عَلَيَّ بَعْضُهُمْ ( أي كأنهم سيسقطون عليّ ) فَقَالَ أحدهما دعه فلَوْ أَنَّ أُمَّتَهُ وُزِنَتْ بِهِ لَمَالَ بِهِمْ ! ثُمَّ انْطَلَقَا إلى السماء وَتَرَكَانِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَرِقْتُ ( أي خفت ) فَرَقًا شَدِيدًا ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى أُمِّي فَأَخْبَرْتُهَا بِالَّذِي لَقِيتُ فَأَشْفَقَتْ أَنْ يَكُونَ قَدْ الْتَبَسَ بِي ( من الجن ) فَقَالَتْ أُعِيذُكَ بِاللَّهِ فَرَحَلَتْ بَعِيرًا لَهَا فَجَعَلَتْنِي عَلَى الرَّحْلِ ( الناقة ) وَرَكِبَتْ خَلْفِي حَتَّى بُلْغَتِنَا إِلَى أُمِّي فَقَالَتْ أَدَّيْتُ أَمَانَتِي وَذِمَّتِي وَحَدَّثَتْهَا بِالَّذِي لَقِيتُ فَلَمْ يَرُعْهَا ذَلِك    ( أي لم يخيفها ما سمعت ! )َ وَقَالَتْ إِنِّي رَأَيْتُ حِينَ خَرَجَ مِنِّي نُورًا أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ ..!

 

 

 

 

ملكةٌ فاتنةٌ وخمر معتق .. وصرح مُمرد ومراسيم ملكية ..!

( لوحـةٌ بلقيسية )

توطئة اللوحة ..! هكذا شأن صاحب الريشة الملكية التي لطالما حلمت أن أستعيرها منه أو تكون لي ، ولكن هيهات لكاتب مثلي ما زال يأكل من فضلة البلغاء ويحبو على شاطئ الأدباء أن يعوم في بحرهم اللجي الذهبي ..

n ترى أحدهم ممن وهبه الله ريشة أدبية ملكية فاخرة الأطراف مذهبة الحواشي كأنما نُزعت من قلب طاووس مزركش لا ظهره ..! تراه .. عندما يعيد حكاية قصة فتخال نفسك أنك للتو تسمعها من أول مرة .. وفي كل فصل منها تهز كيانك وترج نفسك ، ولا تكاد تنقطع أنفاسك المتسارعة إلا في نهايتها وإسدال ستارها .. ولا غرو ولا عجب فهي مَلَكَة ( بفتح الميم واللام ) تنافس ملكة الشعر ونظم أبياته .. وتنافس ملكة صادح الحي ومطرب المدينة عندما يشدو بصوته ألحان الحب وآهاته ولوعاته .. لا بل تراه يتحدى العرض المرئي ، وألوان الشاشة لأنه يلون الحروف بالألوان التي يشتهي هو أن تراها أنت ..! ويصبغ مشاهده المكتوبة بحقيقة ماثلة تَهْـتـَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ على ورق رمادي من القرطاس ..وينطق الصحيفة التي ليس لها من الصوت إلا "الخشخشة "بصوت ناعم أحياناً وتارة أخرى عال وصادح وفقط بـ ( قلمه )..!

( روعة الكيد والخمر المُعتق ) !

n ( بلقيس ) ملكةُ سبأ ..كانت تتمتع  بالذكاء والفطنة التي قـلّ ما نسمع عنها فيمن تحملُ بين جنباتِـها أنوثةً هادرة كانت ملكتنا ( بلقيس ) فتيةٌ حسناء رائعةٌ وفصيحةٌ وبليغةٌ وعاقلةٌ ومما يسطره التاريخ في كَيْـدِهَا العظيم قصتها مع  الملك عمرو بن ابرهة الملقب بذي الأذعار ..والذي حاصر مملكتها بحشرٍ عظيم من جُنده قبل أن يستقر لها أمر المُلك كاملاً وتتقلد صولجان الحكم ..فأشعلت زِناد فكرها وأوقدت جَذْوة فطنتها ..وأدركت أنها مغلوبةٌ في المواجهة العسكرية ، وخصوصاً وأن جندها الذين يصفهم القرآن بأولي قوةٍ وبأسٍ شديد لم يكونوا تحت سيطرتها وهي في المرحلة الأولى من الملكية .. فلجأت إلى كَيْدها وإن كيدهُن لعظيم ..! فما كان منها إلا أن لبست أجَمل الثيابِ وأفخَمها ثم زيَّنت نحَرها بما يبرق لمعاناً من أنفس الياقوت والزَبرجد الأخضر ..ثم أنها طلعت من قصرها واسترسلت بخطواتٍ ملكيةٍ بمفردها وخرجت من قلعتها وأخذت تشق صفوف الجُند الذين حاصروا مملكتها بكل خيلاء منها وزهو .. حتى بلغت الخيمة الملكية للملك عمرو ..فولجتها بأنوثة الهيتَ لكَ..! فلما رآها..أيقن أنها جاءته مستسلمة ، فصفق بيديه ونادى فلتخرج كل الحاشيةِ من بلاطي لا سيما الجواري الحسناوات كي لا يقبحن بعد الملكة الفاتنة بعيني ..! فأقسمت عليه أن تسامره وهي تسقيه من ذلك الخمر المُعتق ..! وكان كلما أراد حظاً منها ..تمنّعت ( مليكتنا ) عليه وألهته بكأسٍ آخر ..ثم تتغنج له لتسقيه كأساً جديداً ..وهكذا ظل يراودها وهي تتمنع عليه بأنوثة هادرة وبعبارة متغنجة (كُف عن مداعبتي..لا يا سيدي..ليس الآن ) ولكنه ظل يراودها عن نفسها وهي تراوده بكأسٍ آخر عن نفسه ..!حتى أصابت منه عشرة كؤوسٍ ولم يصب منا سوى قُبلةً يتيمة ! حتى ثُمل جلالة الملك المعظم ..وثقُل عقلهُ..وتمايل رأسهُ ..عندها حانت ثمرةُ الكيدِ والدهاءِ فاستلت سيفه الذهبي من غمدِهِ ، وانقضّت على نحره الملكي فنحرته بشفرةٍ ملساء ..! ليفور على الفورِ دَمُـه المخلوطِ بالخمرِ المعتق..! ثم خرجت متسللة من خيمته المغدورة إلى قلعتها المنصورة بعصير من عنب مخمر وتنهي بذلك بعدها أسطورة ملكٍ جبار وتخلّص مملكتها من الهلاك وتحفظ تاجها..وتعلي صولجانها..وفقط .. بعشرة كؤوس ملكية معتقـة..! فياَ لروعة الكيد..!

الملكة بلقيس وقصة الصرح الممرد !

لا بأس يا معاشر القراء إن كنا سنُخلف من ورائنا فجوة من قصة ملكتنا بلقيس مع سيدنا الملك سليمان عليه السلام .. لا بأس أن نسدل على فصل من فصول قصتهم الستار ، لأني أريد أن انتقل معكم إلى مشهد أكثر بريقاً وأشد حلاوة من من رواية ( الهُدهد ) الذي أحزنه ما رآه في مملكة بلقيس فجاء يعدو طائراً وهو حزين وقال  ) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) سنترك تفاصيل هذا المشهد ولننطلق سوية إلى منظر القدوم الملكي للملكة بلقيس وحاشيتها ومجيئهم بين يدي ملك الجن والإنس سيدنا سليمان عليه السلام .. فماذا كان هناك ؟ وما عساه أن يكون ..!؟

n نحن الآن أمام مشهد الصرح المُمرد ..! بل نحن الآن في مراسمِ الاستقبالِ الملكي الذي أعدهُ سيدنا سليمان لملكةِ سبأ بلقيس ..! تلك المراسم التي ظاهرها ملكي مخملي ولكن باطنها دعوة للتوحيد الخالص وللعبودية فانتبهوا..! فبعد أن وصل موكبها إلى الناحية الأخرى من القصر الأسطوري ( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ) عجباً ! فلقد كانت تظن أنها سترى متكأً ملكياً كريماً كتكاءات الملوك المعتادة..ولكنها شاهدت ما لا يخطر على قلب بشر ولا حتى سمع ولا بصر..! لقد وجدت نفسها أمام قصرٍ أبيضَ من الزجاج الصافي طِلائُهُ ..فراشاتٌ ذهبية تمازح شقيقات لها فضية..! وليس له من بلاطٍ سوى ماء رقراق يسبح فيه سمك ملون من أجمل فراشات البحر وأزهاها..وهناك وفي وسط هذه التُحفةِ البلوريةِ القُرمزية كان عرشُ سليمان في الصدر ومستراحاً لضيوفه!

n لم تنتظر بلقيس من شدة هولها بهذا الخيال الحقيقي أن يسبِقَها إلى العرشِ جلالةُ الملك سليمان ولكنها تقدمت عن الجميع وهي مشدوهة وناسية حتى أنها ملكة..! حتى أنها لم تطلب أن يوضع لها جسراً تخطو عليه فوق الماء كي لا تتبلل ولكنها انطلقت كالطفلةِ الشقية تريد أن تخوض هذا الماء الذهبي برجليها..! وعند الحافة البلورية رفعت ثوبها الملكيَ المطرز..! ولكن ثوبها كان طويلاً ومحتشماً يليق بمكانتها كأنثى تقدر أنوثتَها أولاً وكملكة ثانياً.. لكنما وهج البلور الذي ملأ عيناها أنساها حتى حشمة الساقين..! فجمعت أطراف ردائِها بكفيها ( وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا)..! فهي لا تريد لثوبها أن يتبلل بما تحسبه وتظنه لجةً من الماء الجاري..! ولكن يا إلهي ..! فلقد كُشفت الآن ساق امرأة في حضرة نبي مرسل قبل أن يكون ملكاً..! فأبت النبوةُ على النبي التقي النقي أن يُرفع رداء الحشمةِ بالحضرة النبوية الشريفة فعاجلها سليمان قائلاً ( إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ..)! فلا تكشفن ساقك الملكية..! وأرخي عليها رداء الستر والحشمة..!

حفاوةٌ ..ظاهرها مراسيم ملكية ولكن باطنها دعوة لله وللتوحيد والعبودية !

بعد تلك اللحظة البلورية..! وهذه الحفاوة والمراسيم الملكية التي تعمد سيدنا سليمان أن تعيشها الملكة بلقيس في قصره البلوري ، توقد عقل بلقيس المتوقد ليحسم الأمر كُلَّهُ..! فإن ما عايشته في هذه اللحظات ليست إلا قدرة ربانيةً إلهيةً.. n وتأتي لحظةُ التجلي ويحين قطفُ ثمرةِ هذه المراسم الملكية لتعلن الملكة للملأ كُله بيانها الختامي ( قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ..)..! يا الله ألم أقل لكم أن مراسم هذا الاستقبالِ ظاهرهُ فخامةٌ ملكيةٌ وباطِنَهُ دعوةٌ للتوحيدِ والدين الحق والعبودية..!

n يا الله..إن نبينا سليمان لم يحدثها بعد عن التوحيد الخالص للخالق..ولكن عقلها الراجح قد دلها على أن تلك الآيات الجمالية والمعجزات البلورية وهاتيك القوارير المزوقة وذلك الصرح المُمرد لم يكن ليشيد إلا ببركة من الخالق  فلم تستطع ( مليكتنا ) العاقلة أن تصمد أمام هذا الجمال كله إلا أن تخضع لخالق الحُسن والروعة والجمال ..وتسلم لله رب العالمين ولكن بسياط الفخامـة..!وسيف البريق..!ومهند اللمعان والبلور..!وضعت ريشتي وجفت ألواني من لوحتي البلقيسية !

الزنديقالذي أشتم الأمير جواربه..! (لوحةٌ فنية)

   بدأت القصة تحلو روايتها، بعد أن استلم الأمير (قباذ) زمام الملك وصولجان الحكمبعدوفاة أبيه الملك (فيروز) فجاءته الحاشية وشعب مملكته المترامية الأطراف لتبايعهملكاًعليها وتضع على رأسه تاج أبيه.. الملك الراحل.. ليتسلم قباذ المُلك بعد والدهويصيراسمه ملك الملوك (قباذ بن فيروز).
بعدأن استقر له الحكم.. خرج في مملكتهرجلادعى أنه مرسل من السماء.. كان اسم هذا الرجل (مزدك!) تأثر الملك قباذ بما يقول(مزدك) تأثراً كبيراً.. لكن ما الذي كان يدعو إليه مزدك ؟
كانيدعو الناس إلىالإباحيةوالزندقة ومن زندقته أنه كان يقول بأن سبب كل الاختلافات بين الناس إنماسببهومنشأه هو (النساء) و (الأموال) وبما أن هذين الأمرين هما سبب كل الفتنوالخلافاتبين الناس فإذن أنا أحل جميع فروج النساء بين بعضنا البعض فلا حرمة لأيامرأةبين الرجال، فلا حرمة بعد اليوم لأخت على أخيها ولا لرجل على أمه..! وزوجةهذاهي زوجة ذلك وزوجة ذاك هي زوجة هذا..!! فكل الفروج مباحة..(وكل محترشه حلال!!)وأماالأموال فالجميع يتساوى بها والسرقة فنٌ ومهارة وحلال..! وانتشرت الديانةالمزدكيةحتى عم بلاها وطم أكثر المدن والبلدان آنذاك.
 •  
كان من أمراء الملك(قباذ) على مدينة الحيرة فارس شجاع اسمه (المنذر بن ماء السماء) فدعاه الملك للدخولمعهمبدين المزدكية والإيمان بالزنديق مزدك فرفض ذلك أشد الرفض وأستنكر تلك الديانةفأشار(مزدك) إلى الملك بأن يطرده من قيادة الإمارة وأوعز إليه بنفيه من البلاد،فتمله ذلك وطرده الملك رغم انه من أشجع وأخلص أمرائه..
كانللملك قباذ ولداًشجاعاًونبيلاً يسمى (أنو شروان) وكان صديقاً للأمير المخلوع (المنذر بن ماءالسماء) وحاول الأمير أنو شروان أن يثني أبيه الملك قباذ من طرد صديقه المنذر ونفيهولكنهلم يفلح في إقناع أبيه حيث أن أباه كان مسحوراً ومتأثراً بالزنديق مزدك ولايردله طلباً أبداً.. ثم أن الملك قباذ دعا ابنه (أنو شروان) للدخول معه في دينمزدكفأبى الأمير ذلك أشد الإباء ورفض عرض أبيه بشدة
وحدث أن دخلت يوماًالملكةعلى الملك وهو جالس مع حاشيته، ثم دخل الأمير أنو شروان وجلس بقرب أمهالملكةوبينما كانوا في البلاط الملكي إذ دخل عليهم (مزدك) فقام الجميع هيبة لهوإجلالا.. إلا أن الأمير بقى جالساً في مكانه.. فلما أن جلس مزدك أراد أن يُذل ذلكالأمير،فقام (مزدك) وقال للملك (قباذ) أمام الحاشية والحضور: إيه يا جلالة الملكقباذ.. كيف ترى إيمانك بي!؟ فقال الملك أنا أؤمن بك أكثر من إيمانك بنفسك..! فقالإذنادفع لي زوجتك (أم أنو شروان) كي أتمتع بها الليلة وأقضي منها حاجتي ووطري فإنالسماءقد حدثتني بشأنها!! فقال الملك قباذ.. هي لك فاستمتع بها كما تشاء فلعلنا أننصيبمن بركتها بعدك..!! فوثب إليه الأمير (أنو شروان) وركض مسرعاً إلى (مزدك) يقبللهيديه وكتفه ورأسه لكي يبقي له والدته وأن لا يفحش بأمه الملكة.. فلم يزل يقنعهويترجاهومزدك يرفض منه ذلك حتى خر الأمير (أنو شروان) على قدم (مزدك) وأخذ يقبلهاراجياًله أن يترك له أمه..! فتركها بعد ذلك مزدك وقال له (وبحق السماء لو كان لكأختٌمنها لما نفعك تقبيلك لرجلي!!) فبقت في نفس الأمير أنو شروان وسكت ولم يتكلموخرجمن البلاط وهو يغطي بعباءته رأس أمه..
•  
بعدها بمدة مرض الملك (قباذ)مرضالموت ولم يصارع المرض كثيراً حتى مات وهلك.. فجاءت الحاشية تبايع ابنه الأمير(أنو شروان) ملكا عليها.. فاستلم أنو شروان الحكم ثم أرسل فوراً إلى صديقه الأميرالمخلوع(المنذر بن ماء السماء) ليكون معه معيناً في الحكم.. ولما وصل الأميرالمنذر،نادى الملك الجديد(أنو شروان) بجميع الناس أن يحضروا إلى ساحة الاجتماعالكبرىبالمملكة ليباركوا له تسلم شئون الدولة بعد أبيه الراحل.. وبينما كان الملكفيمجلسه الكبير على يمينه الملكة أمه وعلى يساره الأمير المنذر بن ماء السماء.. إذدخلعليهم (مزدك) وحوله تلاميذه ومريدوه من كل جانب مهنئاً للملك.. فقام (أنوشروان) وقال أمام الملأ : ورب هذا السماء إني تمنيت أن أملك الملك بعد والدي لأحققفينفسي أمنيتين.. فقال (مزدك) وما هما يا جلالة الملك أنو شروان!؟ فقال الأولى :أنأُرجع هذا الشريف الطاهر إلى الإمارة وأؤمره على المدائن.. ثم أشار بيده إلىالمنذربن ماء السماء.
وأماالثانية : فإني تمنيت أن أقتل كل أولئك الزنادقةالذيأحلوا الفروج وجعلوا الدين هو الفساد..! فقال (مزدك) أو تستطيع يا أيها الملكأنتقتل أغلب الناس!؟ فقال (أنو شروان) يكفيني أن أبدأ أولاً برأس الأفعى وأقتلك ياعاهريا ابن الزانية..! فورب السماء ما ذهب نتنُ ريح جوربك من أنفي منذ أن قبلترجلكإلى يومي هذا !! ثم نادى على الحرس فقيدوه وأُمر به أن يُقطع قطعةٌ قطعة حتىإذاما زُهقت روحه الخبيثة أمر به فصلب بالسوق.. ثم أمر بعدها بقتل جميع الزنادقةممنهم على دينه وقوله، فقتل ما بين بغداد والنهروان في ليلة واحدة مائة ألف زنديقوسُميذلك اليوم الذي تطهرت به الأرض من هؤلاء الرجس والأنجاس ب (يوم أنو شروان)وثابأغلب الناس إلى رشدهم بعدما تطهرت العباد والبلاد منهم.. وذلك قبل البعثةالنبويةالشريفة بخمسين سنة تقريبا.
معاشرالسادة النبلاء
برغمأن الملك(أنو شروان) قتل كل الإباحيين في عصره إلا أن التلاميذ النجباء للمدرسة المزدكية لمينقرضوابعد..!

 

فلسفة الغرس ..

لوحةٌ مصعبية 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بمداد الأوبة سأكتب عن ذلك الذي ادمن العصيان وهو مؤمن!

كأني اراه وهو في ظلمة الليل البهيم.. والناس جميعا قد اصابتهم لذة النائمين الا هو.. ! يتقلب على فراش من الشوك مقشوب به اسفله واعلاه..! ولم تكن ياسيدي القارئ حاضرا عنده لتراه كيف يتململ في مرقده وقد خاصمه الكرى والسهاد..وويح لحافه .. ثم ويحه ..! اتراه محشوا ببقايا زجاج مكسور.. ام بنبتة شوك قد مسها حر شمس ملتهبة فجفت متيبسة..!?
وليتك تراه .. كيف يخشى على نفسه ان يكون داخلا في عالم النفاق والمنافقين او التسلق والمتسلقين فهو دائما في (حيص) حيرة من امره (وبيص) تردد في نفسه..! ربما يود .. لو انه قد كاشف الناس بسيىء سره وخافيه.. لكنه لا يقوى على لسع الفضيحة..!
بيد انه يدرك ان لا واسطة بينه وبين خالقه ..وليس بينه وبين الله ترجمان.. فلا مناص اذن من مناجاة الله ..! وكأني به اراه وهو يسلم رأسه لوسادته .. يستغفر الله على استحياء من كثرة معاصيه ولسانه حاله يقول:
يارب .. انا ماتعديت القناعة والرضا
لكنما هي قصة الاشجان
اشكو.. وفي فمي التراب
اشكو مصاب الدين للديان..!
لكنه بعد كل خوار نفس وطائف سوء يمس دينه ويفتنه في كل مرة او مرتين ..كان رجاؤه بالرحمن الرحيم اكبر.. وهو يرجو عند الله رب العالمين ان يكون حاله كحال من يتحدث عنه القدوس المتعال في ملئه الاعلى قائلا كما جاء في صحيح البخاري ومسلم عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل قال » اذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: اذنب عبدي ذنبا فعلم ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قد غفرت لعبدي.. ثم مكث ماشاء الله ثم عاد فأذنب..! فقال اي رب اغفر لي ذنبي, فقال تبارك وتعالى: عبدي اذنب ذنبا فعلم ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قد غفرت لعبدي , ثم عاد فاذنب..! فقال ربي اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: اذنب عبدي ذنبا فعلم ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب اعمل ماشئت فقد غفرت لك.. قد غفرت لعبدي فليعمل ماشاء«ياالله ..! اي عظمة نحن الان امامها..!? واي رحمة تلك التي نشكل حروفها ونرسمها للعالمين..?!
ولكم ان تتخيلوا سعة الرحمة الالهية .. تلك السعة التي تسع بمجرد التوبة الصادقة حتى اثام الليالي الحمراء وذلك الخمر المعتق..! ونديم السوء بل وحتى انحراف الفطرة الى حسنات ودرجات..! اقسم اني لا ابالغ في قولي هذا ..وهذا ليس تشهيا من القول او افراطا في الرجاء.. لا والله.. الم تسمعوا لقوله تعالى عن التائبين(الا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما).
ولكن انتبهوا جيدا..ولتصغ لنا الاذان والاسماع.. حيث ان سعة الرحمة لايدخلها اي داخل..ولايحظى بها اي ساع وهي لاتأتي بالتشهي ايضا ولا بالمنى والتمني..! فهناك حلقة متصلة لاتنفك عن الاوبة والتوبة ابدا..ومتى ما انفرطت تلك الوصلة فلا توبة اذن صادقة ولا رجوع ولا أوبة..!
ولكن أتدرون ما هي تلك الحلقة التي من دونها ينفرط العقد كله..!? انها »الصدق« ! نعم صدق التوبة لا الزيف ومجرد الادعاء..! وهذا الصدق لا يمكن لاحد من العالمين ان يتلاعب به او يدعيه وهو كاذب وكيف يكون ذلك ومحله قرارة النفس..!? تلك النفس التي يطلع الله عليها فيعلم الصادق من المخادع..! وهذه الفرضية التي ترتكز عليها التوبة قد نص الله عليها في كتابه واكدها بنفسه سبحانه فقال في سورة الاسراء ( ربكم اعلم بما في نفوسكم ان تكونوا صالحين فانه كان للاوابين غفورا..) يا الله..! هو اعلم في نفسك يامدعي التوبة ان كنت قد صدقت في اوبتك فانه لك غفور..!
ثم من كان مسترعيا انتباهه معي فليسترع الان اكثر..! لانني سأدل العالمين على الطريقة المثلى لمعرفة الصادق من الكاذب..! ولكن ويحك يا ايها الكاتب..! اولم تقل قبل لحظات ان الصدق في قرارة النفس! ولايعلم الغيب الا الله.. فكيف سنعرف مافي نفوس من يدعون الاوبة والتوبة..!?
اجيبكم عن هذا بما اجاب به جمع العارفين والعلماء العاملون عندما قالوا ان (التوبة الصادقة تعرف بدلائلها..!) يا الله! ها نحن الان قد بدأنا نتحدث عن مظاهر الصدق والصادقين..! نعم.. ولم لا اتحدث..? وحديثي هذا هو خير ماتحدثت به مذ عرفت فك الحروف وصف العبارات..!
سبحان الله..! ان دليل التوبة الاولى والاخيرة هو ان يسلك الانسان طريق المصلحين والاصلاح والصلاح..! وان يكون بينه وبين الخوار الذي اعتاد عليه فوقع في ظلم نفسه ذلك الفيصل  الذي يحول بينه وبينهم..! فيصل من العمل الصالح ..وفيصل من المراقبة..! وفيصل من مجاهدة النفس وتزكيتها..او عرفتم الان ماهو الفيصل..! انه العمل الصالح..ومظاهر الصلاح.. وليعلم الناس اجمعين ..بان ما اخطه الان ليس منهجا جديدا للسالكين وطريقا مستحدثا للأوابين.. لا والله ولكنه مما أنزله الحق تعالى للناس أجمعين وجعله طريقا لكل من اراد ان يكتب مع التوابين.
تعالوا لاريكم كيف ان الله قد جعل صدق التوبة هو العمل الصالح..! تعالوا لتروا كيف ان الله يريد من كل تائب ان يلحق ويتبع توبته عمل صالح..! فهاهو يقول جل وعلا في سورة المائدة()فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ "وَأَصْلَحَ" فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة:39) يا الله.. هل رأيتم..!? بل ان هناك اكثر .. فها هو يقول في سورة الانعام ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنعام:54)

يا الله.. هل رأيتم ..!? ولتزداد رؤيانا خير على خير ولنر ايضا قوله تعالى في سورة الفرقان (الا من تاب وآمن »وعمل عملا صالحا« فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما..) اظن الان قد تكشف لنا الرؤيا وبدت واضحة للجميع..!
نحن الان امام استعراض اكثر وضوحا للتوبة. ومشهد قد اكتملت فيه كل الفصول بدءا من لحظة الغفلة وخور النفس ومرورا بالخوض في مستنقع المعاصي ثم بمشهد التوبة وموعد الاوبة..ونهاية بالقبول وسعة الرحمة وبشائر الرضى والرضوان الالهي الواسع المغفرة.. فتعالوا معي لنشهد سويا هذه اللحظات الحاسمة وهي تتلى علينا من كلام القدوس المتعال قال تعالى ) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) (النساء:18)

 ياالله..!هكذا اذن نعود ادراجنا الى مقولة (التوبة الصادقة تعرف بدلائلها)..!
واي دلالة اعظم من مشهد القرب والحسم القريب..!? وها هي الآية تجلي لنا في المشهد الأول التوبة التي يقبلها الله ويفرح لها ويحييها..وفي مشهد اخر تفضح لنا صورة التوبة التي يطردها من سعة رحمته: فالأولى هي تلك التوبة التي تصدر من قرارة النفس الامارة بالسوء والتي ما تلبث من الزمن الا قليلا ليعاود الرجوع الى بارئها مغسلة..نادمة.. ذليلة .. انها النفس اللوامة..! انها النفس التي تهزها التوبة هزا فتراها وقد انشئت نفسها نشأة اخرى .. تراها وقد خضها الندم من الاعماق ورجها رجا شديدا فلايسع صاحبها الا ان يستفيق من فوره ويتوب ويئوب وهو في فسحة من الحياة ومتوج برداء الصحة والعافية وبحبوحة من الامل وما زال يشعر في عمره بواقي لكنه يدرك بان لا قيمة لحياته دون رضى الله ومغفرته فهو في حالة الاوبة التي يعفر من اجلها جبهته في التراب..!
قال تعالى (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) ياالله..! (قريب) كلمة واحدة دلت على معان كثيرة.. ! (مِنْ قَرِيبٍ) لانه سرعان ماندم ..والقرب دليل على الندم!( مِنْ قَرِيبٍ) وهي تدل ايضا على العزم..! فهو لايريد ان يتراخى في توبته .. بل هو في حالة من الصدق صار لايقوى فيها على التأجيل..! (مِنْ قَرِيبٍ) تجسد لنا حالة ببلاغة متناهية فهو في قمة الاقلاع وليس انه اقلع فحسب.. لانه مازال قريبا من فعل المعصية وذكراها لم ينسه بعد وامكانية تجددها قائم في نفسه ومتاح له.. ولكنه كان الى التوبة والاوبة اقرب.. نعم .. هذه هي الحالة التي ينبغي ان يكون عليها المؤمن دائما وابدا وقد بدت لنا واضحة للغاية .. تلك الحالة التي تجعله متجدد التوبة وهو في يقظة مستمرة للضمير.. لتكون النتيجة بعدها (فأولئك يتوب الله عليهم) ..! ولتكون النتيجة بعدها (اعمل ماشئت فقد غفرت لك..) وليكون (قد غفرت لعبدي فليعمل ماشاء) نعم..! فليعمل ماشاء..ولم لا? فهو دائم التوبة ولصيق الاوبة..!

 

 

 

 

 

n  يا صديقي .. ليتك كنت (( الكلــب )) الذي ينبح !!

توطئة مؤلمة ! : ليعلم الجميع بأن عباراتي اليوم ليست صنع خيال ..أو تفنن وزخرفة للمقال ، ولا هي قصة رمزية أو رواية من أحد الروايات الإسرائيلية .. وإنما حادثة حقيقية قد تفتقت من صدر صديق عزيز .. وتعثرت كلماته من النحيب وطغت عبراته على عباراته ولم أكن لأستبين جراحاته لولا أنه أعادها علينا مرارا وتكراراً !
* قبل أيام فقط وفي ساعة متأخرة من الليل ..طرق الباب ..فقلت في نفسي من هذا الذي لا يحترم حرمة الليل لا سيما آخره !فتحت الباب فعلمت من وجه الزائر أن الضرورات تبيح هذا النوع من الزيارات !حيث أن الصديق صاحب قديم ولقد كدت أنسى ملامحه من طول الفراق ..إلا علامة في وجهه لم تكن لتتغير ولا لتهدأ ! كما خبرتها سابقاً ..إنه بريق عينيه اللتين لا يكفان لمعاناً وجمالاً …! إلا أنني فوجئت بهما هذه المرة وقد توشـحتا شالاً من الدمع غزير ..ولقد أخذت شفتاه نصيبهما من الرجـفة ..فكأنما شفته العليا قد تخاصمت مع شفته السفلى ..! فلا تكادان تهدآن من الاقتراب ثم الابتعاد ….!
* ادخل داري يا هذا وأهدأ الآن ..وقبل أن يسترخي يا صديقي صدرك لتلقي منه همك بين يدي ..لم لا تطفأ حـر ما في قلبك بماء الوضوء ..؟وجلست أتحـينه ليهجم عليّ في سويعات فقط جيش من الفضول يترقب أمره وكشف سره ! وبعد أن أتم طهوره .. وحان نفث ما في قلبه ليزيد ما يشتعل في فؤادي أصلاً من الاشتعال ! عاجلته دموعه مجدداً لتختلط مع ما تبقى من ماء الوضوء .. تنسكبُ ..وكأنهما في عجلةٍ من أمرها ! وبدأ المسكينُ بعد أن أخذ يُكَفكِفُ عبراته ليعاجله دمعٌ آخر .. ينفثُ إلى مسامعي سُماً زعافاً لا حديثاً وكلاماً ! فما عساه كان يقول ؟ لقد أخذ يسرد لي قصة زواجه الذي ابتدأ منذ ثلاث سنوات .. وأخذ يذكرني عندما كنت معه في السنة الأخيرة من الجامعة ويسترجع معي ذلك اليوم الذي استشارني فيه بالزواج من فتاة بينها وبين الاحتشام خصومة! بل أنه تعرف عليها بين أروقة القاعات الدراسية ..وما زلت أذكر نصيحتي له بعدم الاقتران بها .. لا سيما وأنها متبرجة الأخلاق !ومن على شاكلتها لا تصلح أن تكون شريكة كريمة فضلاً عن كونها أم مثالية لجيل قادم ! ولكنه كان مبهوراً بجمالها …مفتوناً بحسنها..ذائباً في قوامها وظن المسكين أن هذا الغلاف الجميل قد حوى داخله صفحات أجمل ..ولم يعلم أنه يخبأ كل ما هو أسفل ! ولا أريد أن أسهب في نشر غسيلها ..وكشف سوأتها ..فينفضح أمرها ويبلى سرها ! ويكفيني أن أذيع للناس بإيجاز شديد أنه ترصد لها بعد أن ارتاب في أخلاقها..ليتصنع الخروج من الدار ..ويرفع بهدوء الهاتف الآخر..ليسمعها تحدث عشيقاً لها بكلام لا يتعدى حدود ما بين السرة والركبة ! ثم بعد أن تحجرج صوت صديقي من النحيب ..قال لم تكن مصيبتي فيها فقط ! ولكن المصاب المؤلم عندما اكتشفت أن عشيقها الذي على الطرف الآخر هو صديق عزيز لي !!! لطالما أدخلته بيتي وسهرت معه ليلي !
** وجـــم الصمت بيننا برهة ..وأردت أن أواسيه بكلام يخفف عليه مصابه ولكن لشدة تأثري مما سمعت حسبت نفسي لا أنطق العربية ! ووجدت نفسي أُكفكِفُ دمعي مره ..وتارة أخرى أمسحُ دمعه ! ثم قلت له يا
صديقي استمع لما أقول وانصت إلى حديثي جيداً : كان هناك رجلٌ اسمه الحارث بن صعصعة وهو من أكرم الناس أخلاقاً وكان له صاحب يؤثر صداقته على كل أقرانه ويخصه بكل مودته ويكنى بأبي حسام .. ثم أنه طرأ لصعصعة سفر قريب فجهز متاعه وشد راحلته وقبل أن يخرج من المدينة ذهب إلى دار صديقه بن ورقة فأوصاه أن يتفقد ما تحتاجه زوجته حتى يرجع من سفره وأن يرسل غلامه ليرعى له غنمه ويطعم كلبه .. فقال له اذهب فوالله إن بيتك ومالك أمانة في عنقي ثم ودعه ورحل .. وفي منتصف الطريق تذكر صعصعة أنه نسي حاجة مهمة في بيته ..فرجع أدراجه ..ووصل المدينة ليلاً ..ولما اقترب من باب داره سمع كلبه داخل البيت ينبح ! فطرق الباب ولم يفتح أحد ..والكلب ينبح ! فطرق الباب ثانية والكلب ما زال ينبح ! ثم أخذ يطرق ويطرق والكلب ينبح ..وينبح وينبح .. ويطرق والكلب ينبح ! فلما ضاق به الأمر..كسر الباب ..وما أن دخل الدار حتى وجد زوجته وصديقه الحميم عـاريين !! وقد عظهما الكلب على نحرهما حتى ماتا !! فأدرك صعصعة عظيم جرمهما في حق الله وحقه بل وحق العشرة الطويلة والصداقة الحميمة التي عرفها أهل المدينة عنهم وجمعتهما معاً ..ثم أنه تعجب وتأثر لوفاء كلبه وولائه وغيرته عليه أكثر من صاحبه وخليله وصديقه !! .. ثم أنه قال :
ويا عجباً للخِلِّ يهتكُ حرمتي ويا عجباً للكلبِ كيف يصونُ !
وما زال يرعى ذمتي ويحوطني ويحفظ عرسي والخليلُ يخـون !!
* بعد أن أنهيت قصتي ..قلت لصاحبي اذهب إلى زوجتك الساقطة ..وإياك أن تطلقها ثلاثاً ! بل والله ثلاثين طلقة ! ثم اذهب إلى صديقك الواطي ..صديقك اللئيم .. صديقك الذي طلق الوفاء ولم يتربى على معاني الإخلاص والولاء  صديقك الذي اعتاد أن يظهر لك خلاف ما يبطن فانكشف مؤخرا سوء معدنه ولؤمه ! صديقك الذي لم يراعي حتى سمعتك أمام الناس وقل له بصوت جهوري وببــنط عريض  يا صديقي .. يا صديقي ليتك كنت الكلب الذي ينبح

n يا عائشة .. جهزي عُـرس إمامنا المرتضى علي

توطئة قرمزية ! اليوم يا معاشر النبلاء .. سأرسم لكم لوحة بألوان طيف قانية ! وسأنغم القلم تنغيماً وأطرز صفحتي تطريزاً ..حيث أني سأطوف بكم إلى حدائق ذات بهجة .. فتعالوا معي وتصوغوا بآذانكم فلعلكم تستمعون من فيض عبارتي صوت نغم ذاك الخرير المتحدر من أروع روضة ماء وغدير ..!
ولكن عفوا يا أيها السادة .. فرحلتنا لن يشتم شذاها .. ويستطعم حلاوتها ويتلمس طلاوتها سوى من تشرب قلبه وصلحت فطرته على حب الرسول وعترته وأزواجه أمهات المؤمنين وصحبه وأخص منهم الخلفاء الأربعة صديقنا الصديق وفاروقنا عمر وإمامنا المرتضى علي وذي النورين عثمان ممن زوجه نبينا بابنتيه رضي الله عنهم وحشرنا معهم ..
ديباجتنا تبدأ يوم أن خطب نفرٌ من الصحب الكريم بضعة الرسول وابنته البتول ومصونته المطهرة وسيدة النساء فاطمة الزهراء فاعتذر لهم وقال إنها لصغيرة .. وبودي أن أكمل فصول القصة ولكني أدع إكمالها للشيخ أبو جعفر الطوسي ليكملها من كتابه الأمالي في الجزء الأول ص 38 وكذلك صاحبه الشيخ المجلسي في جلاء العيون 1/169 فيقولان : في يوم من الأيام كان أبو بكر وعمر وسعد بن معاذ جلوساً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وأخذوا يتذاكرون فيما بينهم بزواج فاطمة عليها السلام..فقال أبو بكر إن أشراف قريش طلبوها من النبي ولكن رسول الله قال لهم بأن الأمر في ذلك لله..ونظن أنها لعلي بن أبي طالب ، ولا نرى ما يمنع علياً أن يتقدم إلى فاطمة إلا فقره وقلة حاله ، ثم أن أبو بكر قال لعمر وسعد هيا بنا إلى علي بن أبي طالب لنشجعه أن يطلب ذلك من النبي عليه السلام فقال عمر ما أحسن ما فكرت به ، فذهبوا إلي بيت أمير المؤمنين عليه السلام فلما وصلوا قالوا له يا علي ليس هناك خصلة خير إلا وأنت سابق بها فما الذي يمنعك أن تطلب من الرسول ابنته ؟ فلما سمع علي هذا الكلام من أبى بكر اغرورقت عيناه بالدموع وقال ومن لا يريد الزواج منها ولكن يمنعني فقري وأستحي والله أن أطلبها من رسول الله وأنا بهذا الحال فشجعه الصديق أبو بكر وقال اذهب واخطبها وأجعل الأمر لله فذهب علياً المرتضى وخطبها من رسول الله فوافق النبي وطلب منه مهراً لها فما وجد علي رضي الله عنه معه شيء فقال رسول الله فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا قَالَ هِيَ عِنْدِي قَالَ فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ ..فأمهرها بها .. وبدأت فاطمة تتجهز لأعظم عرس في تاريخ البشرية..وتعالوا معي لنرى معاً شكل هذا التجهيز الرائع لحفل زفاف زهرتنا الزهراء على ذي الفقار الذي يحبه الله ورسوله ..فلقد جاء في كتاب الأمالي للطوسي ج 1 ص 39 أن علياً باع درعه وأتى بثمنه إلى رسول الله ثم أخذ رسول الله الدراهم وأعطاها لأبي بكر الصديق ( رضي الله عنه وأرضاه ) وقال له : ابتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث البيت وأردف معك عمار بن ياسر مع بعض الأصحاب .. فحضروا السوق فكانوا يعرضون الشيء مما يصلح فلا يشترونه حتى يعرضوه على أبو بكر فإن استحسنه لفاطمة الزهراء ورضي به اشتروه ..حتى إذا استكملوا الشراء أخذ أبو بكر جهاز فاطمة وحمله إلي بيت رسول الله..! فيا الله .. والله ليس هناك أجمل من هذا التواصل والتراحم وصدق الله ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (الفتح:29)

 

 ) .. ولم ينتهي الأمر عند هذا فحسب ولكن رسول الله توّج زواج ابنته الزهراء بالإمام علي بأن جعل الشهود عليه هم أعلى الناس مكانة ومنزلة في الصحب الكريم ..ولندع الشيخ المجلسي يحكي لنا تلك اللحظات من كتابه بحار الأنوار ج1 ص47 فيقول :
عن أنس أنه قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فغشيه الوحي .. فلما أفاق قال لي : يا أنس أتدري ما جاءني فيه جبرئيل من عند صاحب العرش قال قلت الله ورسوله أعلم فقال أمرني أن أزوج فاطمة من علي فانطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وطلحة والزبير وبعددهم من الأنصار .. فانطلقت فدعوتهم له فلما أن أخذوا مجالسهم قال رسول الله بعد أن حمد الله وأثنى عليه إني قد زوجت فاطمة من علي ..! فهللوا الصحابة وفرحوا جميعاً.
ولم تنتهِ لوحتنا ذات الألوان القانية إلى هنا .. ولكن تعالوا معي لنرى من هو الذي جهز زهراءنا البتول لتزف إلى إمامنا المرتضى ..!؟ يحكي لنا هذه المرة الإمام بن ماجه في سننه في كتاب النكاح ، باب الوليمة فيقول (( عَنْ عَائِشَةَ بنت الصديق وَأُمِّ سَلَمَةَ قَالَتَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُجَهِّزَ فَاطِمَةَ حَتَّى نُدْخِلَهَا عَلَى عَلِيٍّ فَعَمَدْنَا إِلَى الْبَيْتِ فَفَرَشْنَاهُ تُرَابًا لَيِّنًا مِنْ أَعْرَاضِ الْبَطْحَاءِ( أي من الصحراء ) ثُمَّ حَشَوْنَا مِرْفَقَتَيْنِ (أي وسادتين) لِيفًا فَنَفَشْنَاهُ بِأَيْدِينَا ثُمَّ أَطْعَمْنَا( أي الناس في الوليمة) تَمْرًا وَزَبِيبًا وَسَقَيْنَا مَاءً عَذْبًا وَعَمَدْنَا إِلَى عُودٍ فَعَرَضْنَاهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ لِيُلْقَى عَلَيْهِ( علي بن أبي طالب )الثَّوْبُ وَيُعَلَّقَ عَلَيْهِ السِّقَاءُ فَمَا رَأَيْنَا والله عُرْسًا أَحْسَنَ مِنْ عُرْسِ فَاطِمَةَ عليها السلام )) .. يا الله كم أنت رائعة يا عائشة ..بل والذي أروع منك هو أبوك الصديق الذي أشترى للزهراء جهازها فيا سبحان الله!
n ويتزوجان ..ويثمر زواجهما أجمل ثمرتين واشرف سبطين إنهما الإمامان الجليلان سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين عليها السلام ..فالله أكبر يا زهراء ! هي بنت من ؟ وزوج من ؟ وأم من ؟ من ذا يضاهي بالفخار أباها ..!!؟ ويحكي لنا اليعقوبي في تاريخه ج2 ص 117 فيقول : أنه لما ولدت الزهراء الحسن رضي الله عنه .. فرح المسلمون بولادته فرحاً عظيماً .. ولما بدأ يحبو كان أبو بكر الصديق يحمله على عاتقه ويداعبه ويلاعبه وكان دائما ينشد له :


بـربي شبيه بالنبي .. غير شبيه بعلـي !

وكان الإمام علي يسمع نشيده ويضحك ..وكانت الزهراء فاطمة تقول صدق أبو بكر الصديق هو شبيه بالنبي غير شبيه بعلي ..!
أقسم بأن ريشتي لن تكل ولا أظنها ستمل عن رسم مثل هذه اللوحات الجميلة ولكني اختم لوحتنا اليوم بهذه الزخرفة : دخل المرتضى عليٌ ذات يوم داره الطاهرة فوجد الزهراء متكئة على وسادة وهي تستاك ( السواك ) فتحركت غيرته عليها من عود السواك كيف أنه قد حضيّ بثغرها الكريم .. فجاء إليها وأخذ السواك من يدها مداعباً ..ثم أخذ ينظر للسواك ويخاطبه قائلاً ::
حـظيت بثغرها يا عود الأراك … أما خفت يا عود الأراك أراك !!؟
لـو كنت من أهل القتال قتلتك … ما فاز مني يا سواكُ ..سواكَ !!
فضحكت الزهراء حتى أشرق وجهها من مداعبته رضي الله عنها.. هذه يا أحباب الرسول وعترته وصحبه بعضاً من سيرة حياتهم العطرة ..وشيء من شذاهم الفواح .. أردت به أن أعطر فيه قلوبكم وأروح فيه عن همومكم وأي رواح وسعادة أجمل وأطهر من ذكريات آل البيت (
)إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب:33)

n يا عمر الفاروق.. هذا عمك الإمام علي!!

اليوم يا سادة يا كرام سأحدثكم عن أكرم ( صهر) وأعظم ( عـم) وزيجة من أجمل الزيجات التي يذكرها التاريخ ويخلدها.. وأما عن أطراف هذه القصة.. فأحسب والله أن الكتابة عنهم بماء الذهب قليل عليهم.. ولو أن أغلى الدرر من الياقوت وأنفسه من الزبرجد الأحمر والأخضر ارتضت معادنهم أن تسيح وتذوب ليكونوا مداداً من النور لما رضوا إلا بان يكتب فيهم سيرة هؤلاء الذين سنعطر صفحات الوطن والساحة بأخبارهم..ونطرز زاويتنا بقصصهم.. ونكحل أعين المؤمنين السالكين درب الهدى والنور بذكرهم..أولئك الذين يحبون الرسول وآل بيته ويعرفون لأمهات المؤمنين قدرهم وأصحابه الكرام مكانتهم رضي الله عنهم وأرضاهم.. فيا ويح قلمي أي عبارات سيسطر.. ويا ويح مدادي أي لوحة الآن سيرسم..!؟
* تبدأ قصتنا عندما خطب نفر من الصحابة سيدة النساء فاطمة الزهراء من أبيها سيد ولد آدم رسولنا عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم.. حباً في رسول الله وقرابته فرفض عليه السلام وقال إنها لصغيرة..ثم أنه تقدم بعد مدة إمامنا الشهيد علي بن أبي طالب رضى الله عنه فوافق رسول الله وزوجها له وكان مهر بنت رسول الله درع فقط! فيا لعظمة هذا الرسول..ثم أنه كان أكرم زواج عرفه الإسلام ومن ثمراته سيدا شباب اهل الجنة السبطان الشهيدان الحسن والحسين ثم زينب وشقيقتهم الصغرى أم كلثوم..ولكننا اليوم لن نتحدث عن ذلك الزواج المبارك فذلك له مداد آخر ونغم أجمل ومقام أزكى وأرفع..ولكننا سنتحدث اليوم عن قصة زواج سيدنا وخليفتنا الفاروق حبيب رسول الله وصاحبه في المحيا ورفيقه في القبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإبنة سيدنا وإمامنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وشقيقة السبطين وإبنة فاطمة الزهراء وحفيدة الرسول الأعظم إنها( أم كلثوم بنت علي بن أبي طالـب)رضي الله عنها..
* يحكي لنا الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في ج3 ص 5.. وكذا الشيخ عمر رضا كحالة في كتاب أعلام النساءج4 ص255 حكاية ذلك الزواج المبارك الذي فرح به سيدنا علي وفاروقنا عمر أشد الفرح فيقول :
* جاء الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الإمام علي بن أبي طالب وكان حينها أميراً للمؤمنين وخليفة للمسلمين فقال يا أبا الحسن.. إني أطلب منك ابنتك أم كلثوم فقال له الإمام علي ما تريد إليها؟ فقال إني سمعت رسول الله ( يقول (( كلُ سَببٍ ونَسَبٍ منقطعٌ إلي يوم القيامةِ إلا سَببي ونًسبي)) وإني يا ابا الحسن أرصد من كرامتها ما لايرصده أحد.. فوافق الإمام علي على زواجه منها.. وخرج سيدنا عمر فرحاً ورجلاه تسابق الريح حتى وصل إلى مجلس المهاجرين من الصحب الكريم وكان مجلسهم بين القبر الشريف والمنبر ــ وجاء في الحديث مَا بَيْنَ مِنْبَرِي وَبَيْتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ..يا الله أي مجلس هذا الذي يرتعون برياض الجنة فيه.!؟ ــ يقول الراوي : فوجد هناك سيدنا عثمان بن عفان ذا النور ين ممن زوجه الرسول بابنتيه والزبير بن العوام وطلحة.. رضي الله عنهم، وما هي إلا لحظات حتى جاء سيدنا علي بن أبي طالب فقال أمير المؤمنين الفاروق عمر ( هنئوني.. رفئوني) فقالوا بمن يا أمير المؤمنين؟ قال بحفيدة رسول الله وابنة صهر رسول الله علي بن أبي طالب..فلقد سمعت رسول الله ( يقول (كل نسب منقطع إلا نسبي وسببي وصهري) فكان لي به عليه السلام النسب فتزوج بابنتي حفصة
فصارت أم المؤمنين.. واردت أن أجمع إليه الصهر.. فرفؤوه وبارك الصحابة له زواجه رضي الله عنه..وأمهر سيدنا عمر الفاروق أم كلثوم رضي الله عنها بأربعين ألفاً ودخل بها في ذي القعدة سنة السابع عشر من الهجرة.. وأنجبت له مولودين كالقمرين رقية.. وزيد رضي الله عنهم..
وظلت زوجته المحبة حتى قتل بمحراب رسول الله شهيداً بيد الكافر الملعون أبو لؤلؤة المجوسي.. فرضي الله عنك يا عمر.. وجمعنا معك بالجنة.. آمين يا رب العالمين.
ولقد وُلِـد للإمام علي بن ابي طالب بعد وفاة الزهراء رضي الله ولداً من زواجه الجديد في عهد خلافة عمر وبعد تزويجه إياه ابنته أم كلثوم ولداً فسماه ( عمر) حباً في صهره وإكراماً له رضي الله عنه فصار أولاد سيدنا علي من الذكور الحسن والحسين ومحمد المشهور بابن الحنفية ـ وسوف نفرد له بإذن الله مقالاً منفصلاً عن فضله ـ وعمر وأبو بكر.. وأما الإبن عثمان بن علي بن أبي طالب وإخوته العباس وجعفر وعبد الله فقد قتلوا مع أخيهم الشهيد الحسين في فاجعة كربلاء على يد جند يزيد بن معاوية عليه من الله ما يستحق.
ومن الطرائف الجميلة ما جاء في بعض الروايات أنه بعد أن تزوج عمر بأم كلثوم كان الإمام علي يدخل إلى مجلس سيدنا عمر فيقول له السلام على أمير المؤمنين فيمازحه رضي الله عنه ويرد عليه قائلا وعليك السلام يا عماه..! وهو يكبر سيدنا علي بخمس عشرة سنة.. وكان الصحابة يضحكون من مزاحهم رضي الله عنهم وأرضاهم..
وأما عن حفيد الإمام علي من ابنته أم كلثوم وهو زيـد بن عمر الخطاب فيروى عنه أنه لما كبر وشب كان من أجمل الناس وجهاً وخلقاً ولقد أُثِـر عنه يحدث أصحابه قائلاً : السبطان الحسن والحسين أخوالي فليرني أحدكم أخواله.. وكان يردد دوماً انا ابن الخليفيتين..فرضي الله عنه وأرضاه.
* ولقد بكى سيدنا الإمام علي بن أبي طالب عندما قُـتِل سيدنا عمر الفاروق بالمحراب وهو ساجد يصلي بالمسلمين وتأثر تأثراً عظيماً على فراق صهره وصاحبه وحبيبه وخليفته من بعد صديقنا الصديق أبو بكر رضي الله عنه.. ويروي الإمام أحمد بمسنده أن علياً جاء إلى عمر وهو مسجىً بثوبه وقد قضى نحبه.. فجاء عليٌ وكشف وجهه ثم بكى وقال ( رحمة الله عليك يا ابا حفص فوالله ما بقى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أحب إليّ أن ألقى بصحيفته منك) وجاء في كتاب الفتوحات الإسلامية ج2 ص429 أن علياً بكى بكاء مراً لفراق صاحبه الفاروق عمر فقيل له في ذلك البكاء الشديد فقال ( كيف لا ابكي على موت عمر؟ إن موت عمر ثُلمة في الإسلام لا ترتقِ إلى يوم القيامة).
تلك ديباجة سريعة.. اشتهت نفسي أن تعطر فيها قلوب القراء لا أعينهم.. وتاقت روحي إلى ذكر آل البيت وأصهارهم الكرام.. وعسى الله أن يغفر لمحب آل البيت وأمهات المؤمنين والصحب الكرام.. كاتب هذه السطور.
معاشر السادة النبلاء
قال الحق تبارك وتعالي في سورة الحشر (( والذين جاءوا من بعدِهِم يَقُولُونَ رَبَّنااغفِر لَنَا ولِإخوَانِنَا الذِينَ سبَقُونَا بِالإِيمانِ وَلاَ تَجعَل في قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلذينَ آمَنُوا ربنا إِنَّكَ رءُوفٌ رحِيم)) اللهم طهر قلوبنا من الغلِ والزيغ والضلال.
 

n يا فهمي هويدي .. سأهديك لوحة الصنم الملون( 4 )! لازم اتعدل عليها من التقويم
كتب قبل أيام الأستاذ فهمي هويدي مقالاً عنونه ( مخطئون هنا ومنافقون هناك )وتحديداً في يوم الثلاثاء 18 ذو الحجة 1412 الموافق 13/3 /2001 ونشر في أربع صحف ..!وقد ضمنه رداً على مقالنا المعنون ( دمري يا طالبان العتبات المقدسة !) وقال بالنص : بأنه قرأ للأستاذ محمد يوسف المليفي مقالته عن تهديم الأوثان في أفغانستان ثم أنه هرع إلى الهاتف واتصل بأحد علمائه وقرأ عليه فقرات من المقال ليرد عليه فضيلته بأن هذا جهاد من غير وغى !
وقبل أن أشرع بالرد على كاتب الثلاثاء اشتهت نفسي أن ترسم له ملحمة عظيمة قمت بتشذيبها وتهذيبها بعد أن نقلتها من البداية والنهاية لابن كثير في الجزء 12 لأخرجها له كلوحة زاهية بألوان طيف قانية ..!
n ( يحكي لنا تاريخنا العظيم أن جدنا القائد المظفر محمود سبكتكين وهو الذي عرف عنه سيرة عادلة وجهاد وفتوحات كبيرة عظمت من شأنه واتساع مملكته ومكانته حتى لقب عند الناس بالخليفة القادر بالله .. وكانت تفد إليه رسل العبيديين بالهدايا الثمينة لاستمالته وشراء ذمته فيعمد إلى إحراقها ليأمن على نفسه الفتنة والخور في دين الله .. وحدث أنه فتح في بلاد الهند الوثنية آنذاك فتوحات هائلة لم تتفق لغيره وكسر كثيراً من أصنامهم وأوثانهم .. وكان من جملة ما كسر من الأصنام صنمٌ يقال له ( سومنات ) وهو صنم الهند الأعظم والذي كانوا يفدون إليه من كل فج عميق .. كما يفد الناس إلى البيت الحرام بل أكثر ! والأغرب من هذا كله هي تلك الأوقاف التي أوقفوها من أجل هذا الوثن والتي بلغت عشرة آلاف قرية ومدينة ..ناهيك عن المزارع والآبار ! وكان الوثنيون يشدون إليه الرحال والسفر رغم طول المفاوز وكثرة العوائق والآفات .. وحدث أن جدنا المظفر كان يتقدم في جيش البواسل من المسلمين وكلما فتح مدينة وكسر وثنها .. قال الهنود (( نقسم بسومنات أنه لو كان راضياً عن صنمنا هذا لما تركه يصاب بسوء .. ولقد علمنا الآن أن سومنات العظيم ساخط عليه فليهلك إذن ولا حاجة لنا به !! )) ولما بلغ السلطان المظفر قولهم ذلك زاد من عزمه على محق كبيرهم سومنات ونادى على جيشه بالجهاد الأعظم فأتاه ثلاثون ألف فارس وعشرون ألفاً من المتطوعة .. وتقدمهم كأنه أسد قد نزع يافوخه وحل محله درعاً ثم عمد إلى مخالبه وقلمها ورفع المهند ..! وسار بهم من مدينة غزنة من سنة 418 من الهجرة .. فلما انتهى هو وكواسره إلى بلد الأصنام تلاحم جيش الرحمن بجيش الأوثان فاعملوا فيهم سيوف الحق حتى تعثرت سنابك الخيل برؤوس الكفار من كثرتها على الأرض ! وكان فريق الأوثان يدخل منهم بعد الفريق على سومنات فيعتنقونه ويتمرغون عند قدمه يبكون ثم يخرجون فيقاتلون إلى أن يقتلوا.. فيا له من ولاء ..! ثم أن المسلمين قتلوا منهم خمسين ألفاً حتى وصلوا إلى عتبات الصنم المقدسة ! فلما دخلوا المعبد وإذ بصنم شامخ بطوله .. مزخرفة حوافه .. مذهبة حواشيه ..ومكسو بحرير ملونة أطـرافه ..! فجاءوا سدنة الوثن وسادة القوم يقبلون قدم السلطان المظفر ويرجونه بأن يبقي لهم إلههم العظيم سومنات! على أن يعطوه عوضاً عن كسره ما ينوء بحمله اعتى الرجال من الذهب والفضة ..! فقال أمهلوني اليوم أقيم الليل واستخير الله رب العالمين .. فخرج إليهم بعد الفجر وقال لهم ( لقد قلبت أمري في وثنكم هذا فرأيت أنه إذا نوديت يوم القيامة " أين محمود الذي كسر الصنم " أحب إلي من أن أنادى بين الخلائق " أين الذي ترك الصنم من أجل حطام الدنيا " ) ..ثم أنه نادى جيشه الكريم وتقدمهم ومسك الفأس وهو يقول (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً) (الاسراء:81)

) وبدأ جيش الحق يحطمون بمعاولهم معه .. ولكأنني أراهم وأسمعهم وقد اختلط صوت صليل الفؤوس والمعاول مع التكبير ..! وبينما هم يهشمونه إذ لمع من بين الحطام بريق شديد ! فلما أن نفذوا إلى داخل الصنم وإذ بهم يجدون بجوفه ركام من الذهب والفضة وقد اختلطت فيه
أحجار كريمة ونفائس من الجواهر والدرر والزبرجد الأحمر والياقوت الأخضر وحلي ولؤلؤ ومرجان ! فكان ما غنموه من هدم الصنم سومنات أضعاف مضاعفة مما كانوا سيأخذونه من السدنة والسادة ..‍‍‍‍! فكبر المسلمون وهللوا وبكى القائد المظفر بنصر الله وكرمه حتى اخضلت لحيته من الدموع ..فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
* هذه لوحة مهذبة الحواشي نهديها لعيون كاتبنا الكبير فهمي هويدي بمناسبة أول مداخلة معه..والآن سنبدأ بالتعقيب!
يقول الأستاذ فهمي بمقاله ( مخطئون ) عن واقع أفغانستان وحركة طالبان : بأنه لم يتفاجئ من هدم التماثيل التي يعتبرونها أصناماً..! ( لاحظوا معي ..فهو لا يعتبرها أصناماً ! ) ثم يقول هويدي لأن هذا القرار الشاذ هو نتيجة نسق فكري يتسم في مجمله بالشذوذ .. لذا إذا أردنا أن نعرف جوهر المشكلة فإنه سيتعين علينا أن نوسع من دائرة الرؤية لكي نطل على مجمل الحالة الثقافية التي أفرزت هذا القرار وغيره .. الخ تعليقه .
وأنا أقول : نحن يجب علينا قبل أن نحاكم استنكاف فهمي هويدي وتململه من قرارات حركة طالبان والتي منها هدم الأصنام ومحق الأوثان ..فيجب علينا أولاً أن ندرس ونحلل المدرسة والمنهج الذي يستقي منه كاتب الثلاثاء فهمي هويدي إسلامه المستنير وفكره ذو النسق الرجراج والمرن ..!
وقبل أن نتكلم عن مدرسته العصرية لا بد أن نشير إلى تضخم الاستعلائية والفوقية التي يتمتع فيها كاتب الثلاثاء والتي تتمثل في ( فرضية الوصاية ) عندما يشرع في تحليل أو تقويم أي حدث .. لذا لا نستغرب منه أن يصف كل من لا يساير مدرسته ونسقه الفكري بالشذوذ والخروج عن القاعدة وبالعبثية تارة أخرى ونعتهم بالتخلف عن التطور ..الخ بل لا نستغرب منه التهكم على من يتمسك بالنص الشرعي ولو كان ضيفه في بيته ! فهاهو يقول عن وزير الصحة في حكومة طالبان آنذاك الحاج ملا عباس والذي استضافه فهمي بمنزله ثم تحرج الملا عباس أن يصلي العصر في بيته الذي امتلأ بالتماثيل .. وقد استنكر عليه فهمي تحرجه وتمسكه بالنص الشرعي حيث أنه قد اقتناها للزينة وليس للتقديس ! وكم كان الملا عباس قليل الذوق عند فهمي هويدي ونموذجاً متخلفاً عندما أصر على التشبث بالنص الشرعي وأعاد صلاته أسفل البناية مفترشاً الأرض ! لماذا ؟ لأنه يريد منه أن يطور النص الشرعي ليساير الواقع الجديد فيكون التمثال تحفة ! والأوثان البرونزية مقتنيات تراثية ! والأصنام الخشبية ذكريات حضارية ..! وهكذا يا قوم فكل من لا يستطيع أن يصهر المفاهيم الشرعية ويذوبها لتساير الواقع الحديث فهو إذن يتمتع بالشذوذ التراثي وذو نزعة وهابية سلفية ..!
· والآن تعالوا معي لنتجول في أروقة المدرسة التي يعتبر كاتبنا فهمي هويدي من انشط تلاميذها ونستكشف شيئاً من ثمارها التي أينعت وحان حصادها ..! تلك المدرسة يطلق عليها اسم المدرسة العقلانية ويحلو للبعض الآخر بتسميتها العصرانية .. ومع اختلاف مسمياتها إلا أن من أهم مخرجاتها التي تفخر بهم هم أولئك المحترفين في ركوب الموجة ويسندهم في ذلك طبيعة الوظيفة التي هيئتهم هذه المدرسة لها والتي يؤدون من خلالها المزاوجة بعقد غير شرعي بين الإسلام والغرب من جهة وبين الإسلام والواقع السياسي بكل ما ينطبق عليه هذا الواقع من أنظمة ومن حكومات ومواقف .. لذا تجد حرصاً من الغرب والحكومات على جعلهم الناطقين الرسميين والمنافسين لنجوم هوليود في المؤتمرات والندوات وتسييد منطقهم على بقية الأنساق والمفاهيم الشرعية لا سيما تلك التي تؤكد على مبدأ المفاصلة في الحق .. وخريجو هذه المدرسة والذي يطلق على النشطاء منهم بالمحترفين .. فإنهم وإن أدعو في ظاهر
كتاباتهم حرقة على دين الله ، إلا أنك تراهم لا يستنكفون على حمل معول الهدم لثوابت العقيدة والشريعة .. فقد تجد المحترف منهم يتصبب غيرة وحزناً على حال المسلمين وتخلفهم الاقتصادي والثقافي .. وقد يصب جام غضبه على الغرب مستخدماً المعلومات والوثائق ومع هذا ليس غريباً عليه في الجانب الآخر إن يؤيد مشروعاً اقتصادياً غربياً عالمياً ولو كان يتناقض مع النظام الإسلامي الذي يحرم الربا ..! بل أنك تجده يبدأ بفرز محلوله التذويبي فيطلب من المسلمين عدم الجمود على النصوص الشرعية ومحاولة فهم الواقع وإعمال فقه الأولويات ..الخ وكذلك أيضاً إذا تعلق الأمر بحرمة أن يحكم المسلمين حاكم غير مسلم فإنه أيضاً يستل من جعبته مدية ليمزق فيها الحكم الشرعي .. حيث أن الواقع قد تغير والعرف محكَّم فلا بد إذن من واقع منضبط بدستور وألا نقيم وزناً لديانة الحاكم ..! وهكذا دواليك دواليك تأتي هذه المدرسة ثمارها الحنظلية .. فلا غرو إذن أن يعيب كاتب الثلاثاء على الإمام محمد بن عبد الوهاب هدم الأضرحة التي طبق فيها وصية الرسول للإمام علي .. ولا غرابة أن يستنكف من الملا عباس صلاته في أسفل البناية بدلاً من أعلاها الحضاري ! ولعله يرى في لوحة الصنم الملون نموذجاً كريهاً للتخلف الإسلامي وقصةٌ سلفيةٌ همجيةٌ باهتة الألوان ..!

 

n لكــن رثائي فيك يا بن عثيمين له طعمٌ آخر ..!

توطئة حزينة : بأي مداد اليوم سأكتب ..!؟ لو أن الدمع يسيل أسود لعبأت قلمي بالعبرات .. ولخططت بذلك المداد مرثية شيخ العابدين والعابدات .. وليكون أول بيت فيها ::
بكت منا العيون لكم دماءً .. فرفقاً بالعيون الدامعاتِ ..
* في  أمسية الأربعاء كنت جالساً في ديوان يقرأ فيه المتواجدون من كتاب ( فتاوى أركان الإسلام ) للشيخ محمد بن صالح العثيمين ، وهو جمع وترتيب فهد بن ناصر ، كان القارئ قد وصل إلي (فصلٌ في كفر تارك الصلاة) وكانت فتوى الشيخ بن عثيمين رحمه الله واضحة وصريحة وهي أن تارك الصلاة كافر ولا يصلى عليه ولا يدفن بمدافن المسلمين وإنما ترمى جثته في حفرة بالصحراء ..نسأل الله العافية ، وفي منتصف الدرس رن هاتف أحد طلاب العلم في كلية الشريعة ليخبرنا بأن الشيخ الذي نتدارس كتابه وفتاواه قد فارق الدنيا وفاضت روحه إلى بارئها ..!تحوقل الجميع وترحموا عليه ثم ما لبثوا إلا قليلاً وأكملوا الدرس ..ولكني شعرت بأنه قد أصابني ما يسمى( بالعزلة الشعورية ) فلقد كان جسدي هناك حاضراً ولكن فؤادي وعقلي قد حطا رحالهما في واد آخر..! أرى ألسنتهم تتكلم بفتوى الشيخ وعلمه ..وأقول في نفسي سبحان الله : إن جسد الشيخ ما زال حاراً بعد وهذه روحه قد خرجت للتو لكن علمه ما زال ينتفع به ! هنيئاً لك يا شيخ فلقد تحقق فيك الحديث النبوي وأنت لم تسأل في قبرك بعد ..!( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ).
قد يكون هناك من هو أعلم من الشيخ بن عثيمين .. ولكنه من القلائل الذين عرفوا بتقواه وورعه وزهده .. ويا ليت شعري قد فارق الدنيا وهو قادرٌ على أن يسكن قصراً من الطراز الملكي .. ولكن أنى لمثله أن يتجاسر على ذلك وهو الذي طلق الدنيا ثلاثاً ..!
* قبل سنتين كان الشيخ بن عثيمين يتحدث على الهواء في أحد البرامج الإذاعية المشهورة بالمملكة..اتصلت إحداهن وقالت يا شيخ لقد رأيت رؤيا غريبة للغاية أريد منك تفسيراً لها ؟ فقال الشيخ هذا البرنامج للأسئلة الفقهية ..فضلاً عن أني ليس لي علم كثير في تفسير الرؤى ، ولكن الفتاة أصرت على الشيخ أن يفسر لها رؤياها ..فلما وافق قالت له : لقد رأيت رجلاً أعرفه يطوف حول البيت الحرام وهو عريان ! فقال الشيخ ابشري فإن هذه الرؤيا دليل على صلاح هذا الرجل وقربه العظيم من الله .. ورؤيته عرياناً دليل على أن الله قد غفر له ذنبه .. وفي الحديث يصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غفرت له ذنوبه ( رجع كيوم ولدته أمته ) فهذا الرجل يا أختي هو على خير عظيم وقرب من الله فقالت الفتاة يا شيخ هل تعلم بأن الذي رأيته يطوف حول البيت عرياناً هو أنت يا شيخ ابن عثيمين ..! فتحجرج صوت الشيخ وأخذ يشهق من البكاء ولم يستطع إكمال أسئلة البرنامج في ذلك اليوم ..!
* لم يحب الناس في بن عثيمين مجرد علمه ..فكثير من يحفظ العلوم الشرعية ..ولكنه يقتات بها ويتسلق عليها وتستخدمه الأنظمة لتلميعها .. ولكن الناس أحبت في بن عثيمين زهده وورعه واحترامه للعلم الذي بين جنبيه ..وحتى الهدايا والعطايا التي تأتيه جعلها هبة لطلاب العلم ووقفاً لتدريس العلم الشرعي..ورحل رحمه الله وما زال يسكن هو وأهله ذلك البيت الأكثر من قديم .. ألم أقل لكم أنه طلق الدنيا ثلاثاً ..! فلك العزاء يا شيخ الزاهدين ورثاء الشعراء :
ستخلد يا ذكر " العثيمين" معلما *** على هامة الأيام تاجٌ مرصّـــــعُ
فوالله لا تنفكُ تغليك أمتي *** و يأسىَ على ذكراك قلبٌ و مدمــــعُ
لئن أودعوك اليوم في طيّب الثرى *** فقد علموا من في ثرى الطيب ودّعـوا
و جاورت قبر الباز حُبّا و صحبةً *** عسى أن يكن في جنّة الخلد مجمــعُ
عليك سلام الله ما هلّ هاطلٌ *** و ما هبّ نسمٌ و انحنى متضـــــرعُ ..
اللهم وسع مدخله .. ونور له قبره .. وأقل يا ربي عثراتنا وعثراته ..اللهم إنك تعلم بأنه لو كان ضيفنا لأكرمناه بالغ الكرم ..وهو الآن يا رب ضيفك .. وأنت أكرم الأكرمين فاغفر له وارحمه واحشرنا معه في زمرة الصديقين ..
آمين يا رب العالمين .. آمين .

 

 

n أُستاذي الحقير..!!
توطئة مهمة: هذا المقال إنما يجسد ترجمة للحكمة التي تقول (التعليم في الصغر كالنقش على الحجر) وأنا أيضاً أقول ( الإيذاء والإهانة والتحقير في الصغر يبقى محفوراً في الذاكرة ولا يمحيه إلا ضمة القبر!)
قبل 15 سنة كنت في المرحلة الابتدائية بمنطقة العمرية...وقتها كنت مسالماً بريئاً ليس لي في المشاغبة نصيب وكنت أعشق اللغة العربية لاسيما الشعر والتعبير...وتفتح الأبواب مجدداً لعام دراسي جديد وليس لي هم في اليوم الأول من الدراسة سوى أن أعرف من هو مدرس العربي! ويأتي أستاذ العربي..ويدخل الصف علينا ليحدثنا قبل أن يسلم ويقول: شوفو يا حيوانات هذا أول يوم دراسي معاكم ولازم تعرفون من الآن إني إذا دخلت الفصل عليكم ممنوع أسمع أي صوت ولا حتى نفس واحد فيكم فهمتم يا (...) ثم سكت بعدها وأخذ يحدق في أعيينا البريئة ووالله ما زلت أذكر عيناه وهي يتطاير منها الشرر وكأننا قد قتلنا له قتيل! أذكر أنه بعد أقل من شهر نسيت دفتر الواجب لمادة العربي بالمنزل وجاءت حصة العربي وحضر الأستاذ فقال أي واحد ما كتب الواجب يقف عند السبورة وخرجت لأقول له لقد كتبت الواجب ولكني... ولم أكمل العبارة لأني وجدت نفسي وقد سقطت على الأرض من قوة الصفعة! وبقيت على الأرض وإذ به ينحني إليّ ويمسك أذناي الصغيرتين بيديه ويرفعني منهما!!حتى صار وجهي محاذيا لوجهه ورجلاي ملعقتان في الهواء! ثم أخذ يهزني وأنا أصرخ من الألم وأبكي (والله نسيت الواجب!) ثم أنه أبقاني هكذا معلقا من أذناي وقال لي: أبوك ما يقول لك أعمل الواجب وادرس في البيت!؟ فقلت له وبصوت مكسور أبي مات قبل ثمان سنوات.... فما كان منه سوى أن أفلت أذناي من يده من غير أن ينزلهما لأسقط على الأرض ويرتطم رأسي بالطاولة ليقول لي بعدها روح وأقعد على كرسيك...! وجلست منكسرا بين التلاميذ والحرج والذل يفتت براءتي وطفولتي! وتمضي السنون وقبل أشهر يقدر الله أن أصلي بمسجد سالم الذياب بمنطقة العارضية وبعد أن قضيت الصلاة التفت وإذ بي أرى وجها كالحاً قبيحا... وإذ به هو نفسه مدرس العربي... كنت أظن أن جرحي قد أندمل وإذ بي أفاجئ بأنه كان مختبئ ليس إلا! تقدمت إليه لأسأله هل تمتعت وبلغت بك نشوة الفتونة ذروتها في ذلك اليوم وأنت ترفعني وتعلقني من أذناي؟ تقدمت إليه وشعورا عارما يشدني إلى صفعه لا سؤاله! وحدقت إليه لأرى الشيب وقد ملأ عارضيه فاستعذت بالله وانصرفت لامتشق قلمي وأرسم لكم هذه القصة!
معاشر السادة المدرسين:
إنني أكتب هذه الحادثة لكل مدرس ومدرسة لا سيما مع العام الدراسي الجديد وأقول لهم إن كلامكم وأفعالكم لا يتعلمها أبناؤنا فحسب وإنما ينقشونها في عقولهم وقلوبهم فانقشوا فيهم أخلاقاً كريمة وسلوكاً قويماً وليكن في مدرس العربي وذكراه السيئة عبرة لكم!
لقد كانت التربية عند المعلمين في السابق أهم من التعليم والقراءة بل أن حسن التنشئة وغرس القيم لها شأنها وقيمتها وإليكم هذا النموذج المليء بالأمانة والصدق الذي يجب أن يكون في كل المعلمين.
قيل أن كسرى أنو شروان ابن ملك الفرس جاء له أبيه بمعلم يعلمه يوم أن كان صبياً وكان كسرى نبيها ذكياً سريع الفهم وعلمه معلمه حتى فاق في العلوم كلها وحدث في صبيحة أحد الأيام أن طلبه المعلم عنده في البيت فلما حضر كسرى أغلق الباب دونه وانهال عليه ضرباً مبرحاً من دون ذنب أو سبب! ثم تركه ساعة وبعد أن جفت دموع كسرى انهال عليه بالضرب مجدداً!! ثم تركه ورحل فذهب كسرى إلى أبيه الملك يصرخ شاكياً من ظلم المعلم له فغضب الملك وأمر جنده بإحضاره فلما مثل بين يديه صرخ به لم ضربت ولدي وخليفتي من بعدي دونما سبب؟ فتقدم المعلم وأسر إلى الملك بحديث خاص فسكت الملك ولم يتكلم وأمر ولده أن يكمل تعليمه مع المعلم كالمعتاد! ولما شب كسرى ومات أبوه تولى الحكم من بعده وقد مضى على تلك الحادثة أكثر من عشرون سنة وأول شيء عمله كسرى أن قام باستدعاء معلمه فقال له أخبرني أتذكر يوم أن ضربتني يوم كذا وكذا؟ قال له نعم أذكر والله فلقد كان ضرباً مبرحاً! فقال ويحك ما حملك على ضربي ظلما يا هذا؟ فقال المعلم: لقد علمت آنذاك أنك ستخلف أبيك وستحكم من بعده فأحببت أن أذيقك طعم الظلم ومرارته كي لا يذوق مرارة ظلمك أحد من رعيتك... ثم أن الملك بكى وقبل رأس معلمه..

n هناك ضرب مفيد .. ومثله عندما يأمر النبي المسلمين أن يضربوا أولادهم للصلاة إذا بلغو عشر سنين .. ولكن هناك من الأساتذة تراهم ممسوخين من الرحمة فهو لا يضرب للتعليم مثلاً أو للتأديب .. ولكنه للتشفي وإشباع مرض قلبه الذي لا يجد ذاته إلا بإيذاء الآخرين ..

n  شيء من الملكات...وبقية من الذكريات!

إذا شعرت بان لأحد الكتاب فألاً حسناً في عالم الكتابة ورأيت له تميزاً بين  أقرانه فابحث عن الأسباب..فلربما كانت وراؤه موهبة وملكة حقيقية.. ولربما كان هناك  من يساعده.. ولا أظن أحداً يمتلك إيثاراً وكرما فيهدي نجوميته لغيره اللهم إلا إن  كان ممن طلق الدنيا ثلاثاً وباعها لغيره.. وغنيٌ عن التعريفِ بأن هذا الصنف في  عصرنا معدومٌ مَعْدنهُ سوى في عالم الخيال والرؤى والمنامات.. ولكن يبقى الكاتب  أريباً..ذكياً إذا استطاع الاستفادة من غيره..ثم رسم ما استفاده في زاويته أو  كتابه..
**
ما يدعوني لمثل هذا الحديث هو تذوقي الشديد لأمير الكتابة والملاحة  الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله ولطالما حدثت نفسي يا ليت عندي من ملكته لا سيما  قدرته على فرش الكلمات وتراقص العبارات..لا رصفها وصفها كما هو حال كثير من كتاب  اليوم.. ولقد كنت أظن فيما سبق أن سعة اطلاع الشيخ هي وراء ذلك التألق التعبيري..  فعلمت بعدها بأن الصواب جانبني كثيراً لأن يوجد من هو أكثر منه إطلاعا وسعة وعلما  لا يملك أن يسطر سطراً مما يعلمه ويفقهه.. مثله كمثل الذي يحفظ القرآن كله ولكنك  تتمنى أن لا تسمع قراءته..! فهي إذن مواهب وملكات يودعها الله في أفئدة من وقع  عليهم رزقه ومنته وسعته..
*
ولقد ألفيت للشيخ الطنطاوي رحمه الله عاملاً  مساعداً لقدراته الكتابية عندما قرأت له كتاب ( ذكريات ) فلقد ذكر أنه في العام  1928 أي قبل أن يولد أبي رحمه الله! أنه تعرف على أحدهم واسمه الشيخ ( معروف ) وكان  معروف هذا من أهم أسباب حيازته على الربح الأدبي كما يقول الطنطاوي عن نفسه في  بداية حياته وأنه من خلاله تعودت أنامله على الكتابة ونفض عنها الخدر..ومثله كمثل  الذي يملك صوتاً حسنا فأرشده معلمه لمخارج الحروف وتنغيم المقامات.. إذن فالأصل  موجود ولكن شيخه معروف قد صقله!
*
يتحدث طنطاوي عن معروف بإسهاب..فأجزت ( لنفسي ) أن  اعمل شيء من الانتقاء لحديثه وأعيد صياغة ما فهمته لا ما قرأته فكتبت بكل أريحية  مني وقلت : لم يكن ( معروف ) صحفياً ولكن أديباً ولا أعني بالأديب هو ذاك الرجل  المهذب الحواشي..رقيق الطبع..العف اللسان.. لا والله فلم يكن معروفاً عفيفا لسانه  ولا نظيفاً حديثه..إنما كان شتاماً ينطق بأبشع السباب إذا غضب..وإذا ما رضي وصار  مزاجه رائقاً فإنك تجالس طفلاً كبيراً ‍! وكذا مزاجه إن كتب أو بالأصح إن رسمت  ريشته فإنك تقرأ له لينقلك إلى دنيا غير دنيا الناس.. ويصور لك في رواياته فيافي  الجزيرة ومفاتن اسطنبول وهي مزينة بالسحر والشعر..مضمخة بالطيب والعطر حتى إن قرأ  له من يعرف هذه البلاد تراه وقد أصابه الشك والريبة..هل هي التي عناها معروف ؟  أقســـم أن في قلمه رونقاً وسحراً!
ومع بلاغته الأدبية إلا أنه كان من أجهل  الناس في الحساب والعد!ولما كبر اهتم بدراسة الحساب حتى ظن أنه اتقنه فحفظ عن ظهر  قلب عدد أيام الأسبوع! وشهور السنة وأدرك عشر العشرة ومعشار المئة..وعرف قطر  الدائرة..وتخيلوا معي يا قراء أنه صار يعرف مؤخراً أن ستة في سبعة تساوي سبعة  وثلاثين ثم ما لبث أن قال وأظنها أيضاً سبعة وأربعين! ولم يتحقق بعد أيهما الصحيح  فالمسألة عنده فيها قولان!! ومع تفوقه في الحساب!!كان غالباً ما يخطأ  في معرفة  ما تبقى له من النقود عند الدفع للبياع، فكان يشتم البياع كل مرة عشرين شتيمة منها  أربع على الأقل من الشتائم المبتكرة التي لم ينطق بها قبله أحد من الهجاءين لا  الحطيئة ولا جرير ولا دعبل ولا حتى المتنبي! ولا يتوقف شتمه حتى يسعفوا البياع  ثلاثة على الأقل من المارة ليعدوا القروش أربع مرات ويحلفوا له ثلاثاً من الإيمان  المغلظة على أن باقي الحساب صحيح..لينصرف وهو يتمتم..قاتل الله الأرقام يا ليتها  كانت حروفاً..!!
*
كان يشتهي الكتابة في مقهى قد غشاه هدأة الليل وسكونه..وخليت  ساحته من الناس.. هنالك كان صاحبنا معروف يوقد على النارجيلة، وليتك تراه وهو يسن القلم..  ثم يأخذ من ( المعسل ) السُم ليسيل بعدها من قلمه العسل..!
*
كان معروف لكثرة  ما يعِضُ الناس ويكتب في الشئون الإسلامية يحسبه الناس من بعيد شيخاً صالحاً عابداً،  ويتصورونه متعمماً ملتحياً وهو عكس ذلك تماماً ..! وحدث أن زاره مرة جماعة من علماء وشيوخ  الهند فدخلوا عليه وكان يدخن النارجيلة ويستمع لأسطوانة ينبعث منها الطرب! فقالوا  له أين مولانا الشيخ معروف ؟ قال : فخفت إن قلت لهم أنا مولاكم معروف أن يكسروا على  رأسي النارجيلة! فقلت لهم : سيأتي قريباً فتفضلوا وأقعدوا ورفعت الشيشة عن المجلس  وخرجت أرقب الطريق..فمر نقيب الأشراف الشيخ تقي الدين فقلت أمامه ها هو ذا مولاكم  الشيخ معروف وأشرت إلى وجه الشيخ تقي ففهم مرادي وتورطي معهم، فدخل بهيئته ولحيته  البيضاء وجبـتـه فقاموا إليه يقبلون يده ورأسه وهم يقولون ما شاء الله هذا أنت يا  مولانا معروف كما تخيلناك تماماً..!
n  سبحان الله..من  أشباه هذا الشيخ الماجن كانت عبقرية شيخنا الفنية تتوقد.. ومنه بدأ طنطاوي رحمه  الله يتذوق ويتوهج.. ولربما كان لأشباه هذه الشيخ أشباه ونظائر ولربما كان لأميرالملاحة والكتابة شبه آخر..!

n تعــالوا معي إلى مـوريس موكاي..!!

موريس موكاي ..من هو موريس موكاي !؟ وما أدراك ما فعل موريس موكاي !؟ إنه شامة فرنسا ورمزها الوضاء.. فلقد وُلد من أبويين فرنسيين ، وترعرع كما ترعرع أهله في الديانة النصرانية ، ولما أنهى تعليمه الثانوي أنخرط طالباً في كلية الطب بجامعة فرنسا ، فكان من الأوائل حتى نال شهادة الطب ، وارتقى به الحال حتى أصبح أشهر وأمهر جراح عرفته فرنسا الحديثة ..فكان من مهارته في الجراحة قصةٌ عجيبة قلبت له حياته وغيرت له كيانه ..! 

n أُشتهر عن فرنسا أنها من أكثر الدول اهتماما بالآثار والتراث ، وعندما تسلم الرئيس الفرنسي الاشتراكي الراحل      ( فرانسوا ميتران ) زمام الحكم في البلاد عام 1981 طلبت فرنسا من دولة ( مصر ) في نهاية الثمانينات استضافة مومياء ( فرعون مصر ) إلى فرنسا لإجراء اختبارات وفحوصات أثرية ومعالجة..فتم نقل جثمان أشهر طاغوت عرفته مصر.. وهُناك وعلى أرض المطار أصطف الرئيس الفرنسي مُنحنِياً هو ووزرائه وكبار المسؤولين في البلد عند سُلم الطائرة ليستقبلوا فرعون مصر استقبال الملوك وكأنه ما زال حياً وكأنه إلى الآن يصرخ على أهل مصر ) أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى..! )

n  عِندما انتهت مراسم الاستقبال الملكي لفرعون مصر على أرض فرنسا ..حُمل مومياء الطاغوت بموكب لا يقل حفاوة عن استقباله وتم نقله إلى جناح خاص في مركز الآثار الفرنسي ، ليبدأ بعدها أكبر علماء الآثار في فرنسا وأطباء الجراحة والتشريح في دراسة ذلك المومياء واكتشاف أسراره ، وكان رئيس الجراحين والمسئول الأول عن دراسة هذا المومياء الفرعوني هو البروفيسور ( موريس موكاي ).

n كان المعالجون مهتمون في ترميم المومياء ، بينما كان اهتمام رئيسهم ( موريس موكاي ) عنهم مختلفاً للغاية ، كان يحاول أن يكتشف كيف مات هذا الملك الفرعوني ، وفي ساعة متأخرة من الليل..ظهرت نتائج تحليله النهائية.. لقد كان بقايا الملح العالق في جسده أكبر دليل على أنه مات غريقاً..! وأن جُثته استخرجت من البحر بعد غرقه فوراً ، ثم أسرعوا بتحنيط جُثته لينجو بدنه ! ولكن ثمة أمرٍ غريب ما زال يُحيره وهو كيف بقت هذه الجثة دون باقي الجثث الفرعونية المحنطة أكثر سلامة من غيرها رغم أنها استخرجت من البحر..!

n   كان ( موريس موكاي ) يعد تقريراً نهائيا عما كان يعتقده اكتشافاً جديداً انتشال جُثة فِرعون من البحر وتحنيطها بعد غرقه مباشرة، حتى همس أحدهم في أذنه قائلاً لا تتعجل فإن المسلمين يتحدثون عن غرق هذه المومياء..ولكنه استنكر بشدة هذا الخبر ، واستغربه ، فمثل هذا الاكتشاف لا يمكن معرفته إلا بتطور العلم الحديث وعبر أجهزة حاسوبية حديثة بالغة الدقة،فقال له أحدهم إن قرآنهم الذي يؤمنون به يروى قصة عن غرقه وعن سلامة جُثته بعد الغرق..!فازداد ذهولاً وأخذ يتساءل:كيف يكون هذا وهذه المومياء لم تُكتشف أصلاً إلا في عام 1898 ميلادية أي قبل مائتين عام تقريبا ، بينما قرآنهم موجود قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام!؟ وكيف يستقيم في العقل هذا ، والبشرية جمعاء وليس العرب فقط لم يكونوا يعلمون شيئاً عن قيام قُدماء المصريين بتحنيط جثث فراعنتهم إلا قبل عقود قليلة من الزمان فقط !؟

n  جلس ( موريس موكاي )  ليلته محدقاً بجثمان فِرْعَوْنَ ، يفكر بإمعان عما همس به صاحبه له من أن قرآن المسلمين يتحدث عن نجاة هذه الجُثة بعد الغرق.. بينما كتابهم المقدس ( الـــتوراة ) يتحدث عن غرق فِرْعَوْنَ أثناء مطاردته لسيدنا موسى عليه السلام دون أن يتعرض لمصير جُثمانه البتة.. وأخذ يقول في نفسه : هل يُعقل أن يكون هذا المحنط أمامي هـو فِرْعَوْنَ مصر الذي كان يُطارد موسى !؟ وهل يعقل أن يعرف محمدهم هذا قبل أكثر من ألف عام وأنا للتو أعرفه !؟
• لم يستطع ( موريس ) أن ينام ، وطلب أن يأتوا له بالتوراة ، فأخذ يقرأ في ( سفر الخروج ) من التوراة ــ وسفر الخروج هو سفر من خمسة أسفار تنسب إلى سيدنا موسى وتسمى بالتوراة وهي جزءٌ من العهد القديم الذي هو جزء الكتاب المقدس عند النصارى ــ من قوله (( فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فِرْعَوْنَ الذي دخل وراءهم في البحر لم يبق منهم ولا واحد )).. وبقى بوكاي حائراً ، فحتى التوراة لــم يتحدث عن نجاة هذه الجُثة وبقائها سليمة !

n بعد أن تمت معالجة جثمان فرعون وترميمها ، أعادت فرنسا لمصر المومياء بتابوت زجاجي فاخر يليق بمقام فِرعون ! ولكن ( موريس ) لم يهنأ له قرار ولم يهدأ له بال ، مُنذ أن هزه الخبر الذي يتناقله المسلمون عن سلامة هذه الجُثة! فحِزم أمتعته وقرر أن يسافر إلى المملكة السعودية لحضور مؤتمر طبي يتواجد فيه جمع من علماء التشريح المسلمين..وهناك كان أول حديث تحدثه معهم عما أكتشفه من نجاة جُثة فرعون بعد الغرق..فقام أحدهم وفتح له المُصحف وأخذ يقرأ له قوله تعالى  ) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُون  ( لقد كان وقع الآية عليه شديداً..ورجت له نفسه رجة جعلته يقف أمام الحضور ويصرخ بأعلى صوته(لقد دخلت الإسلام وآمنت بهذا القرآن)..!

n   رجع ( موريس موكاي ) إلى فرنسا بغير الوجه الذي ذهب فيه..وهناك مكث عشر سنوات ليس لديه شغل يشغله سوى دراسة مدى تطابق الحقائق العِلمية والمكتشفة حديثاً مع القرآن الكريم ، والبحث عن تناقض علمي واحد مما يتحدث به القرآن ليخرج بعدها بنتيجة قوله تعالى ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) كان من ثمرة هذه السنوات التي قضاها الفرنسي موريس أن خرج بتأليف كتاب عن ( الْقُرْآنُ الْكَرِيمِ ) هز الدول الغربية قاطبة ورج علمائها رجاً ، لقد كان عنوان الكتاب ( القرآن والتوراة والإنجيل والعِلم .. دِراسة الكُتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة ) .. فماذا فعل هذا الكِتاب ؟

n من أول طبعة له نفذ من جميع المكتبات ! ثم أعيد طباعته بمئات الآلاف بعد أن تُرجم من لغته الأصلية ( الفرنسية) إلى العربية والإنكليزية والإندونيسية والفارسية والصربكرواتية والتركية والأوردوية والكجوراتية والألمانية..! لينتشر بعدها في كل مكتبات الشرق والغرب ، وصرت تجده بيد أي شاب مصري أو مغربي أو خليجي في أمريكا ، فهو يستخدمه ليؤثر في الفتاة التي يريد أن يرتبط بها..! فهو خير كتاب ينتزعها من أوثان النصرانية واليهودية إلى وحدانية الإسلام وكماله ..ولقد حاول ممن طمس الله على قلوبهم وأبصارهم من علماء اليهود والنصارى أن يردوا على هذا الكتاب فلم يكتبوا سوى تهريج جدلي ومحاولاتٍ يائسة يمليها عليهم وساوس الشيطان.. وآخرهم الدكتور ( وليم كامبل ) في كتابه المسمى (القرآن والكتاب المقدس في نور التاريخ والعلم ) فلقد شرّق وغرّب ولم يستطع في النهاية أن يحرز شيئا..!

 بل الأعجب من هذا أن بعض العلماء في الغرب بدأ يجهز رداً على الكِتاب ، فلما انغمس بِقراءته أكثر وتمعن فيه زيـادة .. أسلم ونطق بالشهادتين على الملأ !!  فالْحَمْدُ لِلَّهِ الذي بِنِعْمَتِهِ تتم الصَّالِحَاتِ..

n  يقول موريس موكاي في مقدمة كتابه ( لقد أثارت هذه الجوانب العلمية التي يختص بها القرآن دهشتي العميقة في البداية ،فلم أكن أعتقد قط بإمكان اكتشاف عدد كبير إلى هذا الحد من الدقة بموضوعات شديدة التنوع ، ومطابقتها تمامًا للمعارف العلمية الحديثة، وذلك في نص قدكُتب منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا..! ).

معاشر السادة النُبلاء ..

لا نجد تعليقاً على تلك الديباجية الفرعونية..سوى أن نتذكر قوله تعالى  ) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً).. نعم والله لو كان من عِند غير الله لما تحقق قوله تعالى في فرعون ( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) كانت حقاً آية إلهية في جسد فرعون البالي .. تلك الآية التي أحيت الإسلام في قلب موريس..!

 

وسأرثيهِ .. ثم سأروي للعالمين قصتي مع حبـيـبنا وشيخنا الشامخ المُبجل ..!

 

حديثنا اليوم عن هذا الهزبر ..! وحيدر زمانه وضرغام عصره .. وأسد المنابر .. وصدق الإمام ابن القيم في قوله ( لكل له من إسمه نصيب ) وأقسم أنه قد استقى من إسمه أكبر نصيب حتى غدا علماً بسيرة عظيمة محمودة إنه العلامة ( حمود ) .. وويح جده ( الشُعيبي ) .. لو كان حياً لما وسعه إلا أن يفتخر بحفيده الذي هو بألف ألف حفيد ..! أنه حمود بن عبد الله بن عقلاء الشُعيبي ..! وليت شعري يا حمود لم يجافيك غير أهل رفضٍ وأحفاد عاد وثمود .. وعلى رحيلك زغردة مومسات اليهود ولله درُ من قال فيك :

ذاك الإمامُ حمـــــودُ لهفي لهفةً * * * لفراق داهيـــةٍ من الأطوادِ

علمٌ هوى فاهتزّ قلبي هـــــزةً * * * وأصابني ســـهمٌ فشقَّ فؤادي

يا ويح قلبي كـم تكابد أمـــةٌ * * * قرحى العيونِ جريــحة الأكبادِ

اللهُ يشـــهد أنني لفراقـــهِ * * * في كربةٍ عظمى وســـقمٍ بادي

شيخٌ كفيفٌ غـــيرَ أنَّ فؤادَهُ * * * نبعٌ يجودُ لكل قلبٍ صــــادي

* قبل ستة أشهر .. رن هاتف المنزل عندي فرفعته .. وإذ على الطرف الآخر صوت متحشرج مُـتهدج .. وفي نبرته فحولة وفي نغمته إنكسار الكهولة ..! قال : أهذا منزل الكاتب المليفي ؟ قلت نعم .. ومحدثك هو المليفي بشحمه ولحمه ! ولكن عفوا من المتحدث ؟ فقال أنا أخوك حمود العقلا الشعيبي ..!! فقلت الله أكبر يا شيخنا الفاضل ولِم هذا العناء يا أيها الوالد الكريم .. ليتك أخبرت طلابك ليخبروني بأنك تريدني .. كي آتيك بنفسي إلى بيتك فقال لا فرق بيننا يا ولدي اللهم إلا إني أُكبرك في العمر فقط ..! فقلت أقسـم أن تواضعك قد قصم لي ظهري وليس لي ما أقوله لك يا والدي إلا أنه لي الشرف أن يتصل بنا أمثالك .. فأمرني يا أبتِ بما تريد .. فقال كلاماً مطولاً عن مقالاتنا المتواضعة وليس الآن وقت الحديث عن ذلك الحِوار ..وقد نشرته مجلة (( الأيام والناس )) في ذلك الوقت كاملاً غير منقوص .. بدءا من السلام عليكم .. إلى أستودعك الله يا ولدي ، ولكنه والحق أقول ما أن أغلق الهاتف مني قائلاً ( أستودعك الله يا ولدي ) حتى أحسست بالصغار في نفسي .. ثم بشعورٍ غريب وهو إحساسي بأني لن أسمع هذا الصوت مجدداً .. فلقد كان يختبئ خلف صوته نوائب من الحُزن وأخاديد من الهم ..وكيف لا .. وهو يحمل هم هذا الإسلام منذ أن عرفه الناس وصدح بينهم إسمه وعلمه .. لقد كان الحوار شرعيا .. ولكني من هيبته.. شعرت وكأني لا أجيد الحديث بالعربية..فضلاً عن مجاراته في الحديث !

* اتصلت بعدها على الفور بصاحبي القصيمي الذي يسكن في مدينة بريدة .. وعتبت عليه كثيراً لماذا أعطى رقمي للشيخ ليتصل بي ولم يعطني أنا رقمه لأتصل به بنفسي .. فضحك ملئ فيه ..! فقلت له ويحك وتضحك أيضاً !؟ فقال أضحك لأنك لا تعرف هذا الشيخ يا أخي محمد ! أنه يتصل بالجميع ويتفقد الكُـل .. ويسأل عن الشباب دوماً ونحن لا نجد من يُحفزنا ويشجعنا ويذكرنا مثله أبداً ..ووالله لولا البياض الظاهر في عينه لقلنا أن يتعامى وليس بأعمى ..! فهو يشعر بنا جميعاً ويسلم على الجميع بإسمه وكأنه يراه..! إنه شيخ الجميع ووالد الجميع وكذلك صديق الجميع ..! إذا أصاب أحد منا هم أو ألَّـم به غم أو طاف به حُزن .. ذهب إلي الشيخ حمود .. وما هي إلا لحظات حتى يجد أثر بلسمه وقد أصاب قلبك .. وفيض حديثه يخترق سمعه فيشرح صدره .. فهو إما مفسراً لآية أو معلقاً على حديث أو حاكياً لسيرة الرجال ومآثرهم.. ووالله لم نرى مثله رديـفاً للحق وصاحباً له .. وكلما رأيناه ذكرنا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتحدث عن صفة المؤمن الحق الذي ( لا يخشى في الله لومة لائـم ) .. فقلت له والله يا صديقي القصيمي لو كنت بينكم لغسلت له قدميه .. وقبلت في كل رؤية له رأسه ويديه ..

إن للفجائع اختلاف فيما بينها وتباين بين مراتبها لكن من أشدها لذعاً وأعظمها وقعاً .. تلك الفجيعة التي أحرجت صدور قوم مؤمنين .. فلقد كان ( الشُعيـبي ) للدين ركناً مُشتداً وللعِلم شِهاباً لا يخبو .. ولقد ذكرت طرفاً من سيرته العطرة وترجمته الرائعة على صدر صحيفة الوطن :

قبل أيام وأبرزت له صورة يتيمه .. وذكرت في تأبينه على الصفحة الأولى علاقته الحميمة مع العِلم وأهله .. وكيف أنه من أوائل من نال الأستاذية في الشريعة في شقيقتنا الكبرى المملكة .. وذكرنا كيف أن قد تخرج على يديه الكثير من طلاب العلم والمشايخ .. بل أن الشيخ الراحل العلامة ابن عثيمين رحمه الله كان يستفتيه في بعض مسائل العِلم كيف لا وهو من قرنائه وأخدانه فعليهم جميعاً من الله وسلوان ورضوان ورحمه ..

والعجيب في سيرة هذا الجهبذ حقاً أنه حفظ القرآن قبل أن يبلغ الحُـلم .. بل أتم حفظ كتاب الله حتى بعد أن أصابه مرض الجُدري بالعمى ولم يثـنه فقد عينيه عن مواصلة تعلمه أبداً ..! وليت شعري يا أيها السادة القراء كأني أراه وهو في السابعة من عمره .. وعينيه قد ابيضتا من الحُزن على فقدها وليس لديه ما يلهو به بين الأطفال إلا ما تبقى له من ذكريات في الظــلام ..!

* وكأني أرى هذا الطِفل الأعمى وهو متوركاً في ساحة المسجد يهز رأسه وهو يتحفظ ويتلو آيات القرآن .. فلقد طوّح به الزمن مصائبه وشدَّ على رأسه همومه ..! وكأني أسمع المرض صارخاً به بعد أن سلب منه عينيه ونور بصره قائلاً له : يا حمود .. أنـت رجــــل منذ هذه الساعـــة ..!! وليس لـــك من الطفولة إلا ســـبع سنوات مــضت ..!

 

* عجباً ..! فلقد كان أبوه فقيراً لا يجد من يساعده في الحرث والحقل إلا هذا الطفل الكفيف ..! فهاهو يقول عن نفسه في آخر لقاء معه في أحد المجلات الإسلامية : لقد كنت أعمل مع أبي في الحقل بما أقدر عليه وكنت ألقح النخل وأصلح الزرع ..! يا الله ..! مــــاذا أبقيت لشبابنا ورجـــالنا يا أيها الطفل الكــــــفيف ..! بأبي أنت وأمي يا أيها الشيخ الجليل ..! فلكأن المداد يسيل بسيرة رجل من السلف الصالح وليس بـبقية من السلف الصالح..! ولكن صدق رسول الهدى وإمام الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال ( إن الله لا ينزع العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ..ولكن يقبض العلم بقبض العلماء..) وصدق رسول الله ( خيركم من طال عُمره وحسُن عمله ) ولقد ودعنا هذا الشيخ الجليل وهو في الثمانين من العُمر .. بدئـها بحفظ القرآن وختمها بمسك متضوع فكان وتداً في الحق ومِثالاً سامياً للصدع بدين الرحمن .. فلله دره من رجل أعاد أمجاد جدنا الإمام العِز بن عبد السلام ..!

فاللهم تقبله في الصالحين..وتقبلنا معه وأعف عنا وعنه ..واحشرنا وإياه مع من نحب مع الرسول وآله وصحبه الأطهار..

معـــــــــــــاشر النبــلاء ..

إنه مما يدمي القلب حقاً ويحزنه .. ويمزق الفؤاد ويكلِمُه أن ترى أمثال هذا الإمام يرحل عن دنيانا فلا نرى له من عزاء بين الناس إلا ما ندر ..! بينما لو كان الهالك فناناً أو راقصة له تاريخها الحافل مع الهز .. لسُطِرت في سيرتها العطرة ! عشرات الصفحات ولأفردت لها زوايا خرِبـة وأقلام مكسورة .. ولرُوِي للعالمين قصتها مع أمجادها الحافلة .. وكيف كان يفـلها إيقاع الطبلة ..!

فأي زمن أغبر هذا الذي يرتفع فيه اسم الثرى .. وتخبو فيه الثريا..! ولكن صدق الصادق المصدوق .. ( بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدء .. فطوبى للغرباء .. ) فلله درك يا إمام الغرباء في عصرنا .. يا من صدقت الله فيما عاهدت عليه حتى قضيت نحبك ولم تبدل تبديلا ..

 

n أبو وداعة الفقير أكرم من ابن الخليفة !

أيها الاخوة .. نحن الآن في القرن الأول من الهجرة .. وتحديداً في الأربعة وسبعين من الهجرة في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان .. كان لعبد الملك عدة أبناء من الذكور والإناث وكان أكبرهم وأعقلهم هو ابنه الوليد بن عبد الملك .. وكانت الناس تقول بأن الخليفة بعد عبد الملك هو الوليد ..

في هذا العام جاء عبد الملك إلى ولده الوليد وقال له سوف أخطب لك ابنة إمام هذا العصر فقال من  هي يا أبتي ؟ فقال هي ابنة سعيد بن المسيب .. فقال فقيه المدينة المنورة وإمام المسلمين ! ذلك الذي حج إلى البيت الحرام ثلاثين حُجة ولم تفته تكبيرة الإحرام في المسجد من أربعين سنة !؟ فقال نعم هذا الذي نريد أن نزوجك أبنته .. فقال يا أبتي والله إنها لتليق بابن الخليفة وولي عهده ..نعم الخِطبة تلك . 

وبعد أيام جهز الخليفة ركباً من الجند فيه كبار القادة ووجوه دار الخِلافة من مستشارين ووزراء .. وخرجوا من قصر الشام في قافلة ممتلئة بالهدايا والعطايا وقد توجهوا إلى المدينة المنورة .. هناك حيث يقيم إمام المسلمين وفقيههم سعيد بن المسيب .. وكان على رأس هذه القافلة هو عامل الخليفة المسمى هِشام بن إسماعيل ..

ووصلت بعثة الخليفة إلى المدينة .. وشاع الخبر بين المسلمين أن هذه القافلة وهداياها وإبلها وخيلها هي هدية من الخليفة إلى سعيد بن المسيب بمناسبة خطبة الوليد بن عبد الملك بن مروان لإبنة سعيد بن المسيب ..

وجاء بعض المسلمين يهنئون الإمام سعيد بن المُسيب بهذه الخِطبة .. وكان سعيد صامت لا يتكلم ولا يرد عليهم .. وبعد أن قُضيت الصلاة في مسجد رسول الله .. جاء سفير الخليفة هشام بن إسماعيل وجلس عِند ركبيتي الإمام سعيد فسلم عليه ثُم قال : بُشراك يا أيها الشيخ فلقد جئتك رسولاً لأخطب مصونتك الكريمة إلى ابن أمير المؤمنين وخليفة المسلمين الوليد بن عبد الملك بن مروان .. ولقد جئتك مُثقلاً بهدايا وعطايا وفوقهم ثلاثين ألف درهم هدية من الخليفة لك .. فهذه بُشراي لك من قصور الشام فما عساني سأبشر من حديثك لأمير المؤمنين !!؟

فقال الإمام سعيد بن المُسيب : يا هذا لقد سمعت من صحابة رسول الله أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول  ( أن هذه الدُنيا أهون عِند الله من جناح بعوضة ..) .. فأنظر يا رسول الخليفة ما جئتني أنت به .. ثم قِسهُ بمال الدنيا كلها .. فكم تكون قد قسمت لي وأعطيتني من جناح هذه البعوضة ..!

وإني والله لأرفض أن تُهدى إليّ بعوضة كاملة .. فكيف أقبل بجزء من جناحها .. !؟ فخذ يا هذا عطايا الخليفة وأردد عليه هداياه وأمواله .. وما أنا إلا واحدٌ من المسلمين ولا حق لي أن أتفرد بكل هذا عنهم ..

 

 

فقال عامل الخليفة : يا أيها الشيخ ..دع حديث الأموال والهدايا الآن ، ولكن من عسى أن تجد لابنتك  خيراً من هذا الذي ساقه الله إليك .. فهو فارسُ بني أُمية وإن لم يكن فارسهم فهو وليُ عهد المسلمين .. وإن لم يكن هذا ولا ذاك فهو الوليدُ بن أمير المؤمنين .. وأدنى الثلاث مما قلت أرفع الشرف .. فكيف لو  اجتمعت هذه الخِصال في أحد من الناس وقد اجتمعت في الوليد .!!؟ أفيجرؤ أحد أن يرد مثل الوليد !؟

فقال الشيخ : للوليد بن عبد الملك أن يتزوج ما يشاء من بنات المسلمين .. لكن ابنتي أبداً والله لن أزوجها له .. ثم قام الشيخ ونفض عباءته من التراب ثم خرج من المسجد .. 

وخرج عامل الخليفة .. ونادى على من صحِبه في القافلة .. أن استعدوا للسفر غداً فلم يعد لنا حاجة  في البقاء بعد الآن ..

وفي اليوم الثاني .. خرج الإمام سعيد بن المُسيب من داره ليؤم المسلمين لصلاة الفجر في مسجد رسول الله كعادته في كُل يوم ..وبعد أن قٌضيت الصلاة تجمع الناسُ حوله وبدأ بإلقاء الدرس في تفسير القرآن الكريم .. والذي كان عِبارة عن حلقة يومية يتزاحم عليها طُلاب العِلم بالمناكب .. ولكن كان من بين الحُضور في ذلك اليوم أحد الطُلاب النُجباء للشيخ سعيد ، وكان هذا الطالب وإسمه هو ( عبد الله بن  ابي وداعة ) كان من أشد الناس حِرصاً على المُداومة لحلقة الشيخ سعيد وطلب العِلم على يديه ..لكن الغريب في الأمر أن هذا الطالب كان متغيباً أسبوعاً كاملاً عن حلقة الشيخ ولم يحضر أبداً إلا اليوم ..

والشيخ سعيد كان يسأل عنه باقي الطُلاب ويتفقد أحواله ولكن لم يكن أحداً منهم يعرف سبب تغيبه .. وبعد أن انتهى الدرس..التفت الشيخ إلى هذا الطالب وقال له معاتباً ( يا أبا وِداعة أتجافينا أسبوعاً كاملاً .. أين كُنت يا أبا وِداعة..!؟ )

فقال والله يا شيخ لقد تزوجت قبل سنوات فقط بامرأةٍ صالحة عفيفة .. ولقد عُشت معها أحسن عيشة وأهنأ زمان .. ثم أنها إنها مرضت قبل أيام فقمت على تطبيبها وانشغلتُ بعلاجها .. ولكنه كان مرض الموت .. فتوفيت عندي فقمت وغسلتها وكفنتها ثم دفنتها مع مقابر المسلمين .. وهذا والله هو الذي اشغلني  عنكم .. فقال الشيخ : هداك  الله يا أبا وداعة فهلا أخبرتنا لنواسيك ونشهد جنازتِها معك ونُعينك على ما أنت فيه ..!؟ فقال يا شيخ يكفي رؤيتك مواساة وسماع حدِثيك تعزية .. والجلوس بين يديك أنسٌ وتسلية .. 

فقال الشيخُ سعيد  وهل تزوجت غيرها ..!؟ فقال كيف أتزوج غيرها وقد دفنتها قبل يومين وليس عندي من المال سوى درهم واحد أو دِرهمين ..!؟ ثُم من يُزوج مثلي يا شيخ سعيد ..!؟ مِعوزٌ وفقيرٌ ولا حسب  ولا نسب ..!؟

 

فقال له الشيخ كلمة هزت الأرض من تحت أبو وداعة .. قال له الشيخ : أنا أزوجُك ابنتي ..!!

فانعقد لسان أبو وداعة .. ولم يستطع أن يتكلم .. ثم قال له يا شيخ ماذا تقول .. !؟

أتردُ ابن أمير المؤمنين .. وخليفة المسلمين ثم تُزوجها إياي .. !؟ فقال نعم والله أزوجها إياك .. فنحن إذا جاءنا من نرضى دينه وخُلقه زوجناه ولا نبالي ..! وأنت عندنا ممن نرضى دينك وخُلقك ..

ثم التفت الشيخ إلى من بقى من في المسجد ونادهم .. أقبلوا إلينا تعالوا هنا .. فلما صاروا عنده واجتمع الناس حوله .. حمد الله وأثنى عليه وذكر النبي وصلى عليه .. صلى الله عليه وسلم .. ثم قال :

أشهدكم إني أعقدُ زواج ابنتي على أبي وداعة .. ولقد جعلت مهرها درهمين اثنين .. فكبر المسلمون         الله أكبر ..واصطفوا يسلمون على أبي وداعة ويهنئونه ..فكان أصحابه يباركون له وهو يقولون ( عظم الله أجرك في السابقة ومبارك عليك اللاحقة ..! )

يقول ابو وداعة عن نفسه : وخرجت من المسجِد لا أدري والله ما أقول من شدة الفرح والدهشة .. ووصلت بيتي ونسيت حتى أني صائم .. وبقيت أفكر في حالي وحال بيتي .. كيف أجهز هذا البيت لابنة الشيخ ومن أين آتي بالمال لتجهيز الفتاة .. ولما أذن المغرب صليت المكتوبة وجلست إلى فطوري وكان تمراً وماء .. وبينما كنت آكل التمر .. وإذ بأحدهم يقرع عليَّ الباب .. فقلت من الطارق ؟

فقال سعيد .. فوالله قد خطر على قلبي وعقلي كل سعيد أعرفه إلا سعيد بن المُسيب .. وقلت في نفسي  لعله أبو عثمان لعله أبو إبراهيم  لعله سعيد المطيري ..! أو سعيد العتيبي أو سعيد الزهراني لعله أي سعيد في الكون إلا سعيد بن المُسيب .. فلما فتحتُ الباب وإذا  بالإمام سعيد بنُ المُسيب شاخصاً أمامي ..

فقلت يا إمام .. هداك الله وغفر لك .. أما أرسلت إليَّ فآتيك فمثلك لا يطرق أبواب الناس أبداً .. فقال أنت اليوم أحق أن آتيك .. فقلت تفضل يا أيها الشيخ الجليل بيتي كُله لك .. فقال الشيخ كلا والله ما أتيتُ إلا لأوصل لك أمانةً عندي ..  فقلت أي أمانة يرحمك الله ..!؟

فقال : إن ابنتي أصبحت زوجةً لك بِشرع الله مِنذ الضحى .. وأنا أعلمُ أنه ليس معك أحدٌ يُؤنس وحشتك وينسيك حُزنك وهمك .. فكرِهتُ أن تبيتَ الليلة عازباً وحدك .. وأنت في مكان وزوجتُك في مكان .. ولهذا فقد جِئتُك بها .. فقال ويحي .. جئتني بابنتك .. فقال نعم .. ثم التفت وراءه وقال تعالي يا بُنيتي ادخلي على اسم الله وبركته إلى بيت زوجك .. ثم دفعها إلى المنزل .. فتعثرت من شِدة الحِياء بعباءتها وسقطت على الأرض .. ثم ذهب الإمام سعيد بن المُسيب .. وقام إليها أبو وداعة فلما كشف وجهها وإذا بها من أجملُ نساء المدينة جمالاً وبهاءً .. ولما بدا يتكلمُ معها وإذ بها من أعقل الناس وأكثرهم فقهاً وعلماً وأدباً ..

( أكمل القصة ) … بحث في جوجل عن وداعة

 

الحلقة الثامنة ..

فضيلة الشيخ روبن هود .. !

نحن الآن في القرن الخامس الهجري ..وكان قاضي المسلمين بمدينة الري باليمن هو الشيخ محمد بن الحسين الرازي الشافعي .. وفي كتاب طبقات الشافعية لتاج الدين السُبكي يقول الإمام السُبكي أن القاضي الرازي حكى عن نفسه حكاية عجيبة وظريفة لم يحدث مثلها في التاريخ أبداً ..

يقول القاضي : بلغني أن هناك أثراً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيه .. ( حُبِب إليَّ الصلاة في الحِيطان ) أي بالبُستان ..

يقول القاضي : في ليلةِ من الليالي .. خرجت من المدينة وحدي قاصداً بستاناً لي كي أصلي فيه الفجر رغبة بالثواب والأجر .. يقول : وعندما انتصف الطريق بي ولم يبقى في الظلام سواي سمعتُ وكأن خشخشة ورائي وأحسستُ وكأن أحداً خلفي يترصدُ بي فتملكني الرُعب ودب في جسدي الهلع.. حتى أني هممت بأن ألتفت خلفي .. ولكن رقبتي استقامت من الخوف .. يقول : وأخذت أدعو الله ربي أن يحفظني من فوقي  ومن تحتي ..وبينما أنا أُسرع الخُطا وإذ برجلٍ واقفٌ أمامي جرئ القلب ، خفيف الوثب وفي يده خِنجرٌ  رأسهُ ذو حدين وكأن في كل حدٍ من الخِنجر لِسانٌ كلبٍ ينبح عليّ  بـ أنا الموت الزؤام ..!

فلما رأيته جثوتُ على رُكبتي وقلت أعوذ بالرحمن منك إن كُنت تقيا .. يا هذا من أنت وماذا تُريد !؟ قال فضربني بيدهِ على صدري فسقطت كُلي على الأرض ثم وضع الخِنجر على نحري وقال بفصاحةِ لسان وجراءة جِنان :

الآن انزع ثِيابك وأحفظ مقامك ولا تكثر من كلامك ..ودع عنك التلوم وكثرة الخِطاب فلا بُد لك من نزع الثِياب ..!

فقلت له : يا سُبحان الله أنا شيخ من شيوخ المدينة .. بل أنا قاضي المسلمين فيها .. ويُسمع كلامي ولا تُرد أحكامي .. ومع هذا كُله فأنا من نقلةِ وحفظة حديث رسول الله صلى الله عليه وآله منذ أربعين سنة  أفلا تستحي يا رجل من الله أن يراك تفعل بمثلي ما تفعل وتروعني في هذا الليل البهيم !؟

فقال اللِص : يا سُبحان الله ..! أنت أيضاً أما أجعل الله في قلبك شفقة على شابٍ مثلي مفتول العضلات وأروق الناظر وأملأ الخاطر .. ومع هذا فقيرٌ ومعوزٌ آوي إلى الكهوف وأشرب ماء الطين والقيعان ومع هذا كُلهِ مُشردٌ عن الأهل والأوطان .. فلا سكن لي ولا بيت ..

ثم بعد هذا كُله أعثُر على واحِدٍ مثلك غنيٌ وميسور الحال وله ألفُ قطيفة وقطيفة وبساتين وقصور ثُم أتركه وأفلته من يدي لأبقى وحدي هُنا أكابد التعب والنصب .. ولا آخِذ منه شيء أتقوى به شظف العيش !؟

فقال القاضي : يا أيها الرجل الكريم .. إني أراك شاباً فاضلاً ولِصاً عاقِلاً ، ذا وجه صبيح ولسانٌ فصيح

ومنظر وشارةٌ وبراعة وحُسن عِبارة ..

فقال اللص : أنا كما ذكرتني من الحُسن والرونق وأكثرُ مما رأيت وتعتقد .. ولكن مدحك لي وثناءُك عليّ لن يُعفيك من نزع ثيابك .. فهيا .. هيا عجل بالنزع ..!

قال القاضي : يا أيها اللص الكريم هل لك إلى خِصلة تعقبك أجرا .. وتكسبك شكرا ولا تهتك مني سِترا فإن فعلتها فإني معطيك الثياب كُلها بل وهي هديةٌ لك ..

فقال اللص : وما هِي هذه الخصلة التي تريد من أن أقوم بها ..!؟

فقال القاضي : تمضي إلى البُستان معي وتصحبني إليه .. وإذا وصلنا هُناك تواريتُ عنك خلف الجُدران ونزعت ثِيابي عني وسلمتها لك وأنا مستور الحال وبذلك سترت عورتي ولم تتكشف لك سوءتي ..

فقال اللِص : سُبحان الله ! قبل قليل كُنت تشهدُ لي بالعقل والفهم .. والآن تُحدثني بمنطق الغباوة والجهل!؟

ويحك يا قاضي .. كيف أأمن مِنك أن أصحبك إلى بُستانك لنصل هناك فتصرُخ في خدمك وحشمك فيجتمعون عليّ ويشدوا بعدها وِثاقي ثم يربطوني من عُنقي ويسحبوني إلى دار السلُطان ليقضي علينا قاضي المسلمين بعدها بجريمة قطع الطريق !؟ أي عقلٍ تراني أحمل في رأسي لتقول لي أذهب معي إلى بيتي كي  تسرقني من هُناك !؟ ويحك يا قاضي ويحك !!

فقال القاضي : والله إنك لعاقل .. ومن لم يُفكر بالعواقب فليس الدهر له بصاحب ..! صحيحٌ كلامك ولكني أحلفُ لك وأقسم بالله العظيم بأني لن أوقع بك مكراً .. ولن أَغدُر بك ولن أصرخ ولن استغيث وسأعطيك ثِيابي بكل سكينة وهدوء .. ولقد أقسمت لك على هذا .. والنبي عليه الصلاة والسلام  يقول من كان حالفاً بالله فصدقوه .. ولقد أقسمت لك إيماناً مُغلظة بأني لن أُوقع بك .. فهيا إلى البُستان ..

فقال اللص : يا سلام عليك .. يا سلام عليك وعلى عِبارتك المُنمقة ! وما أحلاك يا أيها القاضي وأنت تريد أن تحتال عليَّ بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله ..!  فقال .. كيف أحتال عليك بحديث رسول الله !؟

فقال اللص : أولم يزعم القاضي عندما رآني أنه من نقلة حديث رسول الله ومن حُفاظ سُنته وأنه كتب الحديث من زمان وعلمه حتى الكُهول والشُبان ؟ فقال القاضي نعم والله أنا كذلك .

فقال اللص : إ  ذن كما أوردت لي حديث ( من كان حالفاً بالله فصدقوه ) ..كذلك كُن صادقاً في كل حين وأورد لي الحديث الآخر الذي تستطيع من خِلاله أن تحتال عليَّ ليقبض بعدها علينا غلمانك في بستانك !

فقال القاضي : والله ما يحضرني في هذا المقام الحرج حديث أُسنِدُه ولا خبراً أورده فقد قطعت هيبتك   كلامي وأنستني حتى أحاديثي ومنظر الخنجر في هذا الظلام أطار مني عقلي .. فلساني كليل وجناني عليل وخاطري نافر ولُبي طائر ..!

فقال اللِص : اهدأ يا أيها القاضي وليسكُن لُبك وليطمئن قلبُك .. وأسمع مني ما أقول وأنت ما زلت تلبس ثيابك حتى لا تنزعها إلا بعدما تأخذ مني الفوائد !!

فقال القاضي : هات ما عندك يا شيخنا اللص ! : فقال اللص حدثني أبي عن جدي ( ) عن ثابت الكِناني مرفوعاً إلى أنس ابن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يمينُ المُكره لا تُلزِمُه فإن حلِف وحنث فلا شيء عليه ) وأنت يا أيها القاضي وجدت لك حيلة عليَّ من حديث رسول الله فلو أنك أقسمت لي الآن ألف قسم وألفُ يمين فلن يُلزمك قسمك بشيء لأنك مُكره والمُكره لا شيء عليه وبذلك تكون قد أنقذت نفسك وهلكت أنا.. ولقد كشفت حيلتك فهيا عجل لي بنزع ثِيابك ..!

فقال القاضي :يا هذا أوما تخاف إن لبست ثيابي أن يعرفك الناس ..!؟ فتلك قطيفتي الحمراء وهذه عباءتي السوداء وهذا هو ثوبي المُطرز الذي عرِفه الناس لي .. أوما تخشى أن يقبضوا عليك وأنت ترتديها أو تبيعها فيقام عليك الحد ..!؟ فقال اللص : سُبحان الله ..! مِثلُك كيف جعلوه قاضياً للمسلمين !!؟ يا رجل ..  أفلا يوجد مثل هذه الثياب إلا عندك .. ثم أين شهودك على أني غصبتها منك !؟ ثم أنه لو حدث وقدر الله أن قُبض عليَّ  فلسوف أقول أنها لـي .. وأنت تعلم بأني عندما أدعي أنها لي فلقد صار فيها شُبهة الملكية .. وما دام الأمر قد صار فيه شبهة فلا حد فيه ولا قِصاص .. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ( ادرؤوا الحدود بالشُبهات .. ) فهيا انزع ثيابك ولا تكثر الجِدال والحديث ..!

فقال القاضي : ويحك .. ويحك ! والله كأني أنا اللَصُ وأنت القاضي .. يا هذا قد والله أعيتني مُضاءة جِنانك وذرابة لِسانك وسِعة علمك وألفاظك وإن مجادلتك لي في هذه العُتمة والظُلمة كأنها لسع عقارب وإني قد أعيتني الحيلة معك وضاع مني المنطق والحُجة فاصرف نظرك عني يا هذا لأنزع لك ثيابي ..

فقال له اللص : عن أي شيء أصرف نظري وأغض بصري عنك يا قاضي المسلمين ؟ فلست بالأمرد الذي أخشى على نفسي فتنته ولست بالعذراء التي تستحي من الرجال ..وإذا كان الله يقول في سورة النور وهو يخاطب نساء المسلمين الذين صاروا عجائز وأنقطع الحيضُ عنهن ( وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ) فإذا كان جائزٌ لعجائز المسلمين أن ينزعوا ثيابهن فكيف بك وأنت رجلٌ ولا حيض عليك ولا نفاس ولست من النساء .. وقد بلغت من العُمر الذي شاب فيه شعرك وضعف فيه  بصرك وكاد ينحني ظهرك ثم بعد هذا كله تقول اصرف نظرك عني لأنزع لك قطيفتي وثيابي؟!

فأخذ القاضي ينزعُ ثِيابه ويقول كان الأولى بي أن أتتلمذ على يديك يا أيها اللص وأتعلم منك العِلم قبل أن أكون قاضياً للمسلمين .. ثم أعطاه الثياب ودفعها له .. وأبقى عليه سراويله فقط .

فقال اللص : انزع سراويلك كي تتم الخلعة ..!

فقال القاضي : ويحك يا هذا إلا السراويل أقسمت عليك إلا تركتها عليَّ ! ففيما أخذت من ثيابي لك كفاية ودع لي سراويلي فإنها سترٌ عليَّ ووقاية ..

ثم لا تنسى أن صلاة الفجر قد أزِف حضورها وجاء وقتها .. والله تعالى يقول إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء:103)فلا تذهب بسراويلي وتفوت علي صلاتي ..

فقال اللِص : يعلم القاضي أيده الله وهداه بأن ثياباً من غير سراويل يقل ثمنها ويذهب حُسنها .. ثم ألم يقل القاضي أنه فقيه في الدين ويفتي الفتاوى للمسلمين .. فقال القاضي أجل والله أنا كذلك ..

فقال اللِص : فمن صاحبك من أئمة الفقهاء وعلى أي مذهبٍ أنت !؟

فقال القاضي : صاحبي من الفقهاء هو محمد بن إدريس الشافعي .. وأنا شافعي المذهب ..

فقال اللصُ : إذن اسمع هذه الفوائد مني لكي تذهب سراويلك بالفوائد كما ذهبت ثيابك بالفوائد ..!

فقال القاضي : أجل أسمع .. ووالله يا لها من فوائد عجيبة .. ونادرة غريبة ، ولو أني حدثت بها الناس ما صدقوني ..!

فقال اللص : هل تعلم ماذا قال الإمام الشافعي وصاحبه المُزني عن صلاة الرجل وهو عريان !؟ فقال  القاضي لا أعلم وإن كنت أعلم فلا اذكر الآن من هذا الخِنجر الذي تسله أمامي!

فقال اللص : أنا أعلمك ..! لقد حدثني أبي عن جدي عن محمد بن إدريس الشافعي أنه قال ( صلاة العريان الذي لا يجد ما يستره جائزة ولا إعادة عليه بعد أن يجد له ستراً ..) وقال الإمام المزني وهو صاحب الإمام الشافعي : أن الشافعية اتفقوا على صحة صلاة العريان ومثال ذلك كمثل الذي نجا من غرق البحر وفُقدت ثيابه ولم يجد ما يستر به عورته ..! فما تقول الآن يا قاضي المسلمين !!؟

فنزع القاضي سراويله ومد يده ليعطيها اللص فلما رأى اللص يد القاضي وجده يلبس خاتمه في اليسار فقال إليَّ بخاتمك الذي لم تراعي فيه سنة رسول الله وجعلته بيسارك 

فقال القاضي : يا الله..! أي مصابٍ أنا فيه اليوم .. ويحك يا فقيه اللصوص وشيخ السُراق تتحدث عن سُنة النبي في اليمين وأنت تسلبني كل ما عليَّ وتسرقني !؟

فقال يا قاضي المسلمين : يقول الأصوليون ( ما لا يدرك كله لا يترك جُله ) والميسور لا يسقط بالمعسور..  فإن تيسر لي أن أعمل بالسنة في أمر يسير فما الحاجة في تركها وهي ليست بالعسيرة عليّ .. فعجباً لأمرك  يا أيها القاضي تنكر عليّ فعل الميسورات من السُنن لأني وقعت بالمعاصي ولا تنكر على نفسك تركك  لأيسر السُنن وأخفُها ولا تعمل على إحياؤها بين الناس وأنت قدوة للمسلمين وقاضٍ لهم ..!

وهنا نزع القاضي خاتمه .. ودفعه إليه وهو يقول :: خُذ يا فقيه .. يا أصولي .. يا مُفسر ..يا متكلم ..        يا بليغ يا فصيح يا شيخ يا لص !!

 

 منشار عجز أن يقطع الصبر ..! ( عروة بن الزُبير )

بسم الله الرحمن الرحيم .. مشاهدينا الكِرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

أيها الاخوة : نحن الآن في أواسط القرن الأول الهجري .. ونحن الآن لا نجلس خلف التلفاز .. ولكننا نجلس جميعاً تحت مضلة من العريش .. ونشاهِد أمامنا الكعبة المُشرفة وهناك عند مقام إبراهيم نرى الآن وقد تحلق وجلس عند بئرِ ماء زمزم أربعةٌ من الشباب الذين امتلأ كلُ منهم عنفواناً وفحولةً والبعض منهم تفجر  الدين منه .. حتى طغى حُب الله ورسوله على سمعه وبصره ..

أما الأول فهو عبد الله بن حواري رسول الله الزُبير بن العوام رضي الله عنه .. ذلك الفارس الأشم الذي صلبه الحجاج بن يوسف الثقفي فجاءت أمه أسماء ابنة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ..

جاءت إليه ذات النطاقين وهو مصلوبٌ على السارية ووقفت عند قدميه وامسكتهما وقالت .. أما آن لهذا الفارس أن يترجل ..

أما الثاني فهو أخوه مصعب بن الزُبير ذلك الفارس الوسيم الجميل والذي كما يقول عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء .. كان محسوداً على جماله ورونقه وبهائه ..

وأما فارسنا الثالث فهو أيضاً أخيهم ولكنه أفقههم علماً وأكثرهم فهماً وقُرباً لله وورعاً والذي أصبح بعدما كبُر .. عالم المدينة المنورة واحد فقهائها السبعة .. حيث أنه لازم خالته أم المؤمنين الصديقةُ بنت الصديق عائشة رضي الله عنها وأخذ منها الحديث ..وأخذ الحديث من مولانا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكذلك أخذ عن ولديه السبطين الشهيدين الحسن والحسين وغيرهم من الصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعاً ..

وأما رابع الجالسين فهو ..عبد الملك بن مروان ، ونحن الآن نراهم وهم جميعاً في مقتبل العمر .. فلا الأول قائد للمسلمين بعد ..  ولا الثاني أصبح فارساً ولا الثالث صار فقيهاً وعالما .. ولا الرابع قد تقلَد خِلافة المسلمين .. فجميعهم ما زالت أظافرهم طرية وأسنانهم حديثة .. وأحاديثهم ما زالت في سمر الشباب ولهو الحديث ..

 

قال أحدهم .. نحن الآن في بيت الله الحرام نشرب من ماء زمزم ونستند على مقام إبراهيم فليتمنى كلٌ منا أمنية على الله ولنطلبه ونحن في بيته وحرمه .. فليتمنى كلٌ منا على الله ماذا يُريد أن يكون غداً ..!؟

فقال مصعب بن الزبير أتمنى أن احكُم العِراق وأتزوج سُكينةَ ابنة الحُسين وعائشة بنت طلحة بن عُبيد الله !

ثم قال عبد الله بن الزُبير .. أما أنا فأتمنى أن أنال الخِلافة وأملك الحرمين ..

ثم تحدث عبد الملك بن مروان وقال : أما أنا فأتمنى أن أقعُد على عرش معاوية بن أبي سفيان وأحكم الأرض

ثم التفتوا إلى عُروة بن الزُبير .. قالوا له وما تتمنى أنت يا عُروة !؟

فأطرق رأسُه على الأرض وصمت طويلاً ثم قال : أتمنى وأسأل الله أن يجعلني عالماً في دينه دائم البكاء من خشيته .. وأن يُدخلني اللهُ الجنة ..

وانفض المجلس .. ورحل كلٌ منهم إلى وجهته .. ومضت الأيام وانقضت السنون .. وكر الدهر عليهم ..

فإذا بالأماني التي كانوا يتسامرون فيها عند الكعبة .. قد أخذت تتحقق واحدة تلو الأخرى ..!

فقد بويع عبد الله بن الزُبير بالخلافة في الحِجاز والعِراق ومِصر وأطراف الشام ..

وأما مُصعب أخوه .. فقد حكم العِراقين وتزوج العقيلتين .. سُكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة وأصدق كل واحدةٍ منهما خمس مائة ألف درهم وجهزهم بأحسن جِهاز ..

وأما عبد الملك بن مروان فقد تحققت لهُ أمنيته وجلس على عرش معاوية ما يقارب من عشرين سنة .. وجدد بها العهد الأموي بالشام بعد أن كاد يزول ويندثر ..

وأما عروة بن الزُبير فقد ترك السِياسة وهجر الفتن ولازم خالته الصديقة عائشة حتى حفِظ منها الحديث وروى عنها .. ولازم المرتضى علي وولديه السبطين رضي الله عنهم جميعاً .. كذلك لازم الصحابي الجليل أبو هريرة وابن عباس وأسامة بن زيد ..وغيرهم كثير حتى بلغ من العِلم منزلة عظيمة وصار يُشار إليه بالبنان فغدى إماماً للمسلمين .. وأحد فُقهاء المدينة السبعة .. وصار الناس يشدون إليه الرحال طلباً للعلم وسماعاً لسيرة نبيهم .. وبقى هكذا ميسور الحال لا هو في حاجة إلى ذل السُؤال ولا إلى جاه السلطان..

وكان كريماً سخياً .. والنخلُ الذي يملكه .. ما أن ينضُج رطبه ويتساقط تمره حتى يفتح باب بستانه فيدخل فقراء المسلمين يأكلون .. ثم يحملون ما شاءوا من ثمر البُستان ..

ورغم أن أخويه مُصعب وعبد الله بن الزبير كانا على خلاف شديد مع الدولة الأموية وقُتلا على أيديهم إلا أنه أحتسب الأجر عند الله في مقتلهما وكان مشغولاً عن الثأر والحروب بطلب العِلم وتعليمه ..

 وكان عبد الملك بن مروان يهابه ويجله غاية الإجلال ويكرمه أشد الكرم لا سيما بعد مقتل أخويه عبد الله ومصعب ..

وبعد أن كبُر به السِن وتملك الخِلافة الوليد بن عبد الملك واستقرت له الشام .. كان الخليفة يستفتيه ويطلب منه المشورة دائماً ..

 

 

ثم أن الخليفة الوليد بن مروان طلب منه القدوم إلى الشام وترجاه بأن يقبل ضيافته .. فقدِم إليه وهو يعرج ويُقدم رجلاً ويُأخر أخرى .. والمرض قد هد له بدنه وأضعف جِسمه ..

فما أن رآه الخليفة على هذا الحال حتى هرع به إلى القصر الأموي وأسكنه في الجناح الأخضر الملاصق للجامع الأموي .. ثم إنه استنفر له كُل الأطباء وكل من له حظوة وباع مشهودٌ في علاج الناس .. فقدموا إليه ..

 وصاحبنا وفقيهنا الورع الزاهد عروة ما زال يزداد ألماً وتوجعاً يوماً بعد يوم .. وقد آلم الخليفة أن يقدم إليه فقيه المدينة وعالم المسلمين ويمكث في قصره وهو على حال من الألم والتوجع .. فأي ضيافة سوف يشعر بكرمها من الخليفة..وأي طعام سيهنأ به من دار الخلافة والمرارة قد حطت رحلها في جسده الضعيف

حتى صار الخليفة ليس له شغل يشغله ولا هاجس يقلقه إلا مرض إمام المسلمين وفقيهم الزاهد العابد ..

ولما أجتمع الأطباء عنده .. رآهم وقد أطالوا البقاء عِند قدمه .. وازداد حديثهم عن ساقه .. ثم أنهم قرروا أمراً خطيراً .. ورأى الخليفة في وجوههم وكأنهم سيحدثونه عن الموت ..

فقال لهم : ما شأن إمام المسلمين .. أي مصاب في إمام المسلمين !؟ وما سر توجع ساقه ورجله ..!؟ فقالوا .. إنه داء الأكلة يا خليفة المسلمين ولا خلاص له أبداً إلا القطع والبتر .. فصُقع الوليد أمام الفاجعة .. وآلمه كيف يأتيه عالم المسلمين ويكون في ضيافة قصره ..ثم إنه يخرج منه بساق واحدة ..!؟

وأخذ يناشد الأطباء ويأمرهم بأن يصفوا له دواء مهما غلا ثمنه وبعدت مسافته فلسوف يُسير له الجُند والركبان لإحضاره .. ولكنهم أخبروه باستحالة أن يكون ثمة دواء لرجله إلا القطع ..!

* كان عروة بن الزبير قد اعتاد أن يقرأ القرآن في هدأة الليل وسكونه .. ويتبتل إلى ربه وخالقه في سويعات السحر .. وبينما هو على هذا الحال دخل عليه خليفة المسلمين الوليد بن عبد الملك وأبلغه بصوت لا تكاد العبارات تستبين منه وبنفس خافت قائلاً له يا أيها الإمام ..لقد أجمع الأطباء على قطع ساقك ..!

.. الله أكبر .. أيها الاخوة .. قطع عضوٍ من الجسد قبل أكثر من ألف عام ماذا يعني ؟؟! يعني لا أدوات تخدير .. لا مسكنات .. لا تعقيم ولا هم يحزنون ..!

ولم يزد الإمام عندما سمع الخبر سوى إلا أن قال .. حسبي الله ونعم والوكيل .

وجاء وقت القطع وحانت ساعة البتر .. فقدموا الأطباء إليه وبيد أحدهم سكيناً ومنشار .. وبيد الآخر قنينة من الخمر .. وقالوا له خذ يا إمام واشرب هذا الخمر فلسوف تنام ولسوف يخفف عنك الألم .. ومثلك يعلم بأن الضرورات تبيح المحضورات ..

فقال الشيخ لا والله لا أستعين على قدر الله بمعصية الله ..! فقالوا إذن نسقيك بعض المرقِد .. وهو الذي

 

يسمى الآن بالخشخاش ..فقال الحرام كله حرام ولن أسلب عضوا من جسدي دون أن أحتسب ألمه عند الله 

وأحتار الأطباء به .. فإيمانه وجلده وصبره لا يهزمه تحذيرهم له أبداً ..

ثم قال لهم وجهوني حول القِبلة .. ودعوني أصلي لله رب العالمين .. فإذا شرعت في الصلاة والذكر فشأنكم وساقي أقطعوا منها ما تريدون ودعوا ما لا تريدون ..

وكبر عروة للصلاة .. واستغرق في ذكر الله ، وأخذ يتلو ويرتل فيما الأطباء يعدون عدتهم لعملية القطع .. ثم انهم أعملوا السكين في ساقه وأخذت الشفرة تقطع اللحم .. وهو ما زال يلهج بالذكر ولا يزيد شيئاً .. فلما أن وصلت السكين العظم استحال قطعها بالسكين .. فأتوا بالمنشار وأخذوا ينشرون العظم وهو يردد وبصوت خافت .. سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ..!

فلما أن قطعت ساقه كلها وهو ما زال مستغرقاً في الصلاة والذكر .. أتوا بالزيت المغلي في مغارف الحديد ليكوى به الجُرح فيتعقم ويتوقف الدم والنزيف .. فما أن صُب عليه ذلك الحميم .. حتى أغمى عليه ..

والخليفة واقف عند رأسه ويرى هذه المجزرة الحية ,, وهو يبكي ويقول والله ما رأيت ولا سمعت شيئاً أصبر من هذا ..

وبعد أن أفاق الشيخ .. التفت هناك فرأى ساقه التي بترت وقد وضعت بالطست .. فقال لهم أحضروا لي ساقي ..! فحملها بين يديه ثم أنه قبلها وقال : يا والله ما فارقتك إلا وأنت على وضوء .. ويعلم الله اني ما مشيت بِك إلى معصية قط ..!

ثم أنشأ يقول :        لعمرك ما أهويتُ كفي لِريبةٍ  .. ولا حملتني نحوَ فاحِشةٍ رجلي ..

 ولا قادني سمعي ولا بصري لها .. ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي ..

وأعلمُ أني لم تُصبني مُصيبةٌ .. من الدهرِ إلا قد أصابت فتى مثلي ..

وسبحان الله .. لم يكن الشيخ قد فارقه ألم البتر والقطع بعد .. وبينما هو كذلك .. وبينما هو على هذا الحال وإذ برجل يقدم مسرعاً إلى الجمع الذي فيه عروة وهو يقول يا ايها الشيخ لقد دخل ابنك محمد إلى الإسطبل فوكزه الخيل على صدره ومات على الفور ..

فقال الشيخ .. اللهم إنه كان لي بنون سبعة .. فأخذت واحداً وأبقيت لي ستةً .. وإنه كان لي أطراف أربعة فأخذت طرفاً وأبقيت ثلاثة .. ولئن ابتليتَ فقد عافيت ..ولئن أخذت فلقد أعطيت ..

 فاللهم لك الحمد في الأولى والآخرة  ..!

كان هناك رجلٌ ابتلاه الله بعمى العينين وشلل اليدين وعجز الرجلين وكان يجلس على عتبة داره ويقول الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيراً من خلقه ! فمر عليه رجل وقال له : يا هذا ممن عافاك الله وقد اجتمعت عليك جميع البلايا والكروب ؟

فقال الرجل الصالح ابتعد عني يا بطال .. أحمد الله أنه أعطاني قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً وبدناً على البلاء

 

صابراً ثم أنشد يقول :

                           حمدتُ الله ربي إذ هداني              إلى الإسلام والدين الحنيف

                         فيذكره لساني كل حين              ويعرفه فؤادي باللــطيفِ ..

 

عقد اللؤلؤ !

n يروي الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه " ذيلُ طبقات الحنابلة " عندما أخذ يتحدثُ في ترجمة ( القاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي البزَّاز ) المعروف بقاضي المارستان .. يقول أن القاضي أبي بكر روى للناسِ عن نفسِهِ  قِصةٌ عجيبة حدثت له ..  وحكاية عاشها هو بنفسِه فصلاً فصلاً  فيقول  :

كنت فيما مضى أسكن في بيتِ لي متهالكة حيطانه ..مكسرةٌ أبوابه .. وهو من قِدمه لا تشتهي حتى النظر إليه فكيف بالذي يسكن فيه ..! لكنما الريحُ التي تدخلُ عليّ من نوافذه تُعزيني بالبقاء فيه لأنها تقدمُ إليّ وفي أطيافها رائحة البيت الحرام وكسوة الكعبة المُشرفة وبخار ماءُ زمزم حيث أن هذا البيت المتهالك هو بجوار البيت العتيق .. هُناك بمكة المكرمة في أم القرى في تلك البقعة المباركة ..

يقول .. وكنت والله فقيرٌ لا أجِدُ حتى قوت يومي وطعامي .. وحدث أنهُ أصابني يوماً من الأيام جوعٌ  شديد ،فبحثتُ في داري لعلي أجِدُ قمحاً أو طحيناً أو خُبزاً أو عجوةٍ من التمر أي شيء آكله .. فلم  أجد شيئاً في داري أدفع به عني قرص الجوع .. فخرجت ألتمسُ الطعام وابحثُ عنه لعلي أجدُ ما أسُدُ به رمقي فسمعت الأذان يؤذن للصلاة الله أكبر .. فقلت في نفسي الآن سأصلي خلف مقام سيدنا إبراهيم وسأدعو الله أن يرزقني من فضله ومنته وكرمه .. ثم أني صليت مع جماعةِ المسلمين وبعدما قُضيت الصلاة ورجعت  إلى داري  وبينما كنت متوجهاً في أحدِ طُرق مكة إذ بي أرى في الطريق شيئاً غريبا ملقيا على الأرض ..  فلما رفعته وإذ بهِ كيساً مشدوداً بخيطٍ من ذهب ، فنفضته مما علِق عليه من التُراب ووضعته في جيبي ولما وصلت داري ، أخرجت الكِيس وحللِت خيط الذهبِ الذي شُد فيه .. ولما فتحته ..وإذ بي أرى عقداً من لؤلؤ وقد وُشيت أطرفه بالذهب وفي آخره حجرٌ كريم يلمع كالمصباح من شِدة البريق فقلت لا إله إلا الله  ما هذا الجمال الذي لم أرى مِثلَه قطٌ في حياتي أبداً .. وأخذت أقول في نفسي يا ليت هذا العقد الثمين لي !

ولكني أعلمُ أن لهذا العِقد صاحب .. فخرجتُ ألتمس أحداً يبحث عنه .. فإذا أنا بشيخ يُنادي بأعلى صوته قائلاً ، يا أيها الناس .. يا أيها الناس .. من يجِدُ لي كسياً مشدوداً بالذهب وله مني هذه الخمسُ مائة دينار ،  يا أيها الناس هذا لمن يَرُدُ علينا الكيس الذي فيه اللؤلؤ ، هذا لمن يرد عليَّ عقدي ، هذا لمن لديه شهامةٌ وأمانة ..

فقلتُ في نفسي  أنا محتاجٌ ، وأنا جائع ، فلم لا آخذُ منه هذا المال لأنتفعُ به ، وأرُد عليه الكيس فوالله لا أظن أحداً في مكة كلها مثلي معْوّزٌ وجائع .

 

فناديته : تعال معي تعال ، فأخذته ، وجئت به إلى بيتي ، فأعطاني وصف الكِيس ولونه  ، ووصف عِقد اللؤلؤ ، والجوهرةُ الثمينة التي تبرق فيه وتلمع ، فتيقنت أن العِقد له .. فأخرجته ودفعته إليه ، فسلم إليَّ خمس مائة دينار ، فرفضت أن آخذها، وقلت له : يا أيها الشيخ أنه يجب عليَّ أن أعيده إليك ، وحرامٌ عليّ أن أبقى عندي أموال الناس .. وما هذا إلا مالك الذي فقدت ..وأنا لم أبحث عنه لكي تجازيني على بحثي .. فإنما وجدته وما لبثت من الوقت إلا قليلاً حتى وجدتك .. فلن آخذ على أمانتي جزاءاً ولا شكورا فقال لي :

 لابد أن تأخذ وأخذ يلح عليَّ كثيراً ، فلم أقبل ذلك منه ، ثم انه شكرني ثم تركني ومضي .

 

* وأما ما كان من أمري ، فإني مكثت أياماً  وليالي في مكة لا أجد عملاً فيها.. فما كان مني إلا جهزت راحلتي وشددتُ متاعي ، وخرجتُ من مكة أسير أياماً حتى وصلت إلى ضفة البحر ..وهناك وجدت سفينة عظيمة على وشك الإبحار فأذنوا لي الرجال بأن أركب معهم .. ، فلما استويت على ظهر السفينة وأبحرت تمخر عِباب الماء وتشق طريقها كالسيف على الماء ..

جلست في أحد زواياها وأخذت أفكر في حالي وفقري ومن أين لي أن آتي بالمال فرفعت يدي ودعوت ربي   ( رَبِّ إِنّي لِمَا أَنَزلتَ إِليَّ مِن خَيرٍ فَقِير ) .. يقول الإمام أبو بكر البزّاز :

وبينما كنت متكئاً على السارية أحسست بالسفينة تعلو تارة وتهبط تارة أخرى ليس كعادتها ثم أن الريح كانت تشتد .. وكلما اشتدت كلما ثار البحر .. ثم أن الريح أخذت تزداد أكثر وأكثر  ..وأخذت أمواج البحر تتلاطم بالسفينة من كل مكان .. ودب الرعب والذعر وازداد صراخ الناس فأخذتُ أنظر وإذا بموجة عظيمة كالطودِ العظيم جاءت فضربت السفينة فانكسر المركبُ وغرق الناسُ وهلكت أموالُهم ، وكدت أن اهلك معهم لولا الله ثم قطعة طافية مما تبقى من سارية المركب فتعلقت بها ، وبقيتُ مُدَّةً في البحر لا أدري أين أذهب !؟ وأخذت الأمواج تلعب بي في وسط البحر ، حتى لاحت لي يابسة ، فأخذت أسبح بما بقى لي من قوة حتى ألقيت بنفسي على شاطئ جزيرة  فجاءوني صبيانها وحملوني إلى أهلهم  فأطعموني وسقوني ثم أني خرجت من ضيافتهم بعد ثلاثة أيام ، فقعدت في مسجِدها ، فسمِعُوني أترنم بآيات من القرآن الكريم  ، وأرتِل سوره .. فتجمع أهل تلك الجزيرة في المسجد .. وكلما أقترب مني أحدهم همس إليّ قائلاً : يا أيها الغريب هلا علَّمتني شيئاً من القرآن ..

فمكثت أعلمهم التلاوة .. وكانوا يهدونني من المال شيء كثير ثم إني رأيتُ في ذلك المسجد أوراقاً من المصحف ، فجمعتها بين دُفتين وأخذتُ أقرأ فيها ، فقالوا لي أتُحسن الكتابة والخط ؟ فقلت : نعم

فقالوا : علَّمنا الخط والكتابة ، فجاءوا بأولادهم من الصبيان والشباب فكنت أجلس بعد الفجر مع مجموعة

منهم أُعلَّمُهم ، ومجموعةٌ أخرى بعد صلاة العصر .. فحَصَل لي أيضاً من ذلك شيءٌ كثير من المال ..

 

وبقيت بينهم هكذا أعلمهم وأرشدهم فأحبوني جميعاً وأحببتهم .. ثم إنه بعد مُدة جاءوني كبار من في هذه الجزيرة  فقالوا لي : يا أيها الإمام أن لك عندنا صَبيَّةٌ يتيمة ، ولها شئٌ من الدنيا وحظ عظيمٌ من المال ، وإنا والله وجدنا فيك الخير الكثير والرجل الصالح .. ونريد أن نكافئك على ما نورت به جزيرتنا من العِلم والفهم .. ولن نجِدُ لها رجُلاً خيرا منك بأن يتزوَّج بها ، يقول الإمام فامتنعتُ ،وترددتُ .. فقالوا : لا بُدَّ ، ولقد عزمنا الأمر عليك .. وألزموني بزواجها .. فأجبتُهم حباً وكرامة إلى ذلك ..

 

ولما حضُر موعُد العرس جاءوا بِها إليّ يزفونها كأجمل ما تُزف به العروس ..فما أن جلست عندي حتى  مَدَدْتُ عيني أنظر إليها ، ولكني وجدتُ نفسي وقد شُغلت عيناي عن جمال وجهها بجمال عقدها الذي كأني قد رأيته من قبل .. فلما حدقتُ به أكثر .. وإذ به ذلك الِعقْدَ بعينه معلَّقاً على عُنُقِها ، يا الله هذه هي الجوهرة التي كانت تبرق في عيني بمكة ..  فما كان لي حينئذ شُغلٌ ولا همٌ إلاَّ النَّظرَ إليه والتفكر في أمره ، فقالوا لي الناس : يا شيخ ! .. يا إمام .. كَسَرْتَ قَلْبَ هذه اليتيمة من نظرِك إلى عُقدها.. وهجر عيناك لوجهها ولم تنظر إليها .. ما شأنك يا إمام !؟

فقلت تريثوا .. فوالله إن هذا العِقد الذي ألتف حول نحرها له قِصةٌ معي ..  فقَصَصتُ عليهم قصَّةَ العِقد ، فصاحوا وصرَّخوا بالتهليل والتكبير ، حتى بلَغَ تكبيرهم إلى جميع أهل الجزيرة !

فقلتُ : ما الخبر أيها الناس ماذا بكم ؟ فقالوا : ذلك الشيخُ الذي أخَذَ منك العِقد هو والد هذه الصَّبيَّة اليتيمة ، وكان يقول : ما وَجدْتُ في الدنيا مُسْلماً كهذا الذي رَدَّ عليَّ هذا العقدَ ، وكان يدعو دائماً ويقولُ بصوتٍ عالِ ..( اللهمَّ اجمَعْ بيني وبينه حتى أُزوَّجه بابنتي ) ولكنه مات رحمه الله .. وترك ابتنه في أمانة في أعناقنا والآن قد حَصَلتْ وتحققت دعوته الصالحة فلله الأمر جميعا وهو الذي يصرف الأمور كيف يشاء !! ، يقول الإمام ابو بكر رحمه الله .. فَبقيتُ معها مدة ورُزقتُ منها بولَديْن جميلين .. وصار العِقدُ وأهل العقد كلهم من نصيبي .. ذلك هو العقد الذي أبيت أن آخذ ثمناً لأمانتي عندما وجدته فعوضني الله بثمنه أثمان وأثمان وأثمان ..! فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ..

 

n الغلام ::

نريد أن ننال شيئاً من بركات الرسول عليه الصلاةُ والسلام .. وأي بركةٍ أعظم وأيُ حديثٍ أكرم من أن ندع رسول الهدى هو الذي يحدثنا بأول قِصة لنا في روائع القصص .. ووالله لو بحثنا عن أجمل قصاص وأبلغ خطيب وأكملهم بياناً وأروعهم وصفاً  ما وجدنا مثل ذلك الذي أوتي جوامع الكلم .. كيف لا وألفاظه بأبي هو وأُمي يعمرُها قلبٌ متصلٌ بجلالِ خالقه ويصقلها لِسانٌ نزل عليه القرآن بحقائقه .. فعباراته مُحكمةُ الفصول محذوفة الفضول .. وكأنما هي  في اختصارها وإفادتها نبضُ قلبٍ يتكلم .. وإنما هي في سموها وإجادتها مظهرٌ من خواطِره صلى  الله عليه وسلم .. إذا خرجت في الموعِظة قلت أنينٌ من فُؤادٍ مقروح .. وإن راعت بالحكمة قُلت صورةٌ بشريةٌ من الروح ..  فلنستمع إذا إلى حديث الفؤاد ونبض القلب وعزف أوتار الروح ..:

يقول صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه الإمام احمد والترمذي ومسلم ( كَانَ هناك مَلِكٌ  فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ لهذا الملك سَاحِرٌ عظيم لا يجيد أحدٌ من الناس السحر مثله .. بل أن المشعوذين والكهنة تلاميذٌ وعِيال عند بابه .. فَلَمَّا كَبِرَ الساحر ووهن جسمه وضعُف بصره وكاد ينحني ظهره ذهب إلى البلاط الملكي وقَالَ لِلْمَلِكِ إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ ووهنتُ وقرُب أجلي فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ ينفعك من بعدي .. فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلَامًا يُعَلِّمُهُ الشعوذة وفنون السحر فَكَانَ الغلام فِي طَرِيقِهِ ـ أي الذي يسلكه من بيته إلى قصر ذلك الساحر . كان يوجد هناك كوخ قديم يسكن فيه ـ رَاهِبٌ .. متنسك يعبد الله رب العالمين ..، يقول الإمام القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن أن هذا الراهب هو من بقايا أهل دين عيسى عليه السلام وإسمه ( قيمون ) وكان من أعبد الناس وازهدهم وكان مجاباً للدعوة حيث انه قد عرِف إسم  الله الأعظم الذي إذا دُعي به اجاب .. وكان هذا العابد قيمون يتنقل ويسيح في بلاد الله ، حتى بنى له كوخاً وقيل أنه وضع له خيمة في نجران .. واستكمال الحديث والرواية أن الغلام وبينما كان في طريقه لقصر الساحر .. دخل ذات يوم ذلك الكوخ فوجد شيخاً ناسكاً وعلى وجهه ارتسم نور الإيمان .. فَقَعَدَ إِلَيْهِ  ذلك الغُلام وكان إسمه ( ثامر ) وَسَمِعَ كَلَامَهُ في توحيد الله عز وجل فَأَعْجَبَهُ حديثه وحُسن كلامه .. فَصار كلما أراد أن يأتي ذلك السَّاحِرَ يمَرَّ بِالرَّاهِبِ أولاً وَيقعَدَ إِلَيْهِ ويستمع منه أن الله هو خالق كلُ شيء وأنه هو الواحد الذي لا معبود سواه ..  وأن كل هذه الخلائق عبيد عنده وهو الذي يعزُ من يشاء ويُذل من يشاء فهو الأول وهو الآخر وهو الظاهر وهو الباطن وهو على كل شيء قدير ..

 

سل الواحة الخضراء والماء جاريا ..    وهذه الصحارى والجبال الرواسيا

سل الروض مزداناً  ..       سل الزهر والندى

سل الليل والإصباح ..    والطير شاديا

وسل هذه الأنسام .. والأرض والسما وسل كل شيء

تسمع الحمد ساريا ..

فلو جن هذا الليل وامتد سرمداً .. فمن غير ربي يُرجع الصبح ثانيا ..!؟

ويستمر الفتى على مدارسة الراهب .. ولكن كان الغُلام إِذَا خرج من كوخ ذلك الراهب وأَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ على تأخيره .. فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ فَقَالَ له الراهِب : من كان له حيلةٌ فليحتال فإِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ حَبَسَنِي أَهْلِي وأخروني عنك .. وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ حَبَسَنِي السَّاحِرُ وأخرني عنكم ..    ** وذات يوم وبينما الغلام في طريقه إلى الساحر وإذ بدَابَّةٍ عَظِيمَةٍ .. حيوان ضخم وكبير وجاء في بعض الآثار بأنه ذو رأسين كبيرين ولسانين عظيمين ..ويقال أنه كان حيوان التنين ـ ولكن ليس من دمى الحديقة الجوارسية ..! لأ كان حقيقي مئة في المئة  ـ وقَدْ حَبَسَتْ هذه الدابة النَّاسَ وأفزعتهم حتى الموت .. فوقف الغلام ثم قَالَ الْيَوْمَ سأَعْلَمُ وسوف أتبين آلسَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمْ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ وأي منهما كلامه على الحق فَأَخَذَ حَجَرًا من على الأرض فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَمْضِيَ الهلع والنَّاسُ فَرَمَاهَا .. فَقَتَلَهَا على الفور وخرت على الأرض صريعة تشخب بدمائها بتلك الصخرة فقط ..

فمَضَى النَّاسُ وتعجبوا من ذلك ..عجباً لأمر هذا الغُلام يتمتم بكلمات ثم يرمي هذا الوحش العظيم بتلك الصخرة اليتيمة فيهلك على الفور ذلك الذي أفزع الناس جميعاً وعجزوا عن مواجهته..! فَأَتَى الغلام إلى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ كيف قتل الدابة .. فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ أَيْ بُنَيَّ .. أي بُني أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي .. قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى ـ  الله أكبر .. بمجرد أن يتحقق الإيمان في نفس المؤمن فهو إذن سوف يبتلى .. نعم  والله وصدق رسول الله يبتلى المرءُ على قدر دينه .. بل ويقول تعالى (.. أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا  الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) ..

* يقول الراهب إنك ستُبتلى فَإِنْ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ وَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ ويشافي الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ والأمراض فَسَمِعَ جَلِيسٌ وصديقٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ وفقد بصره فَأَتَى للغلام  بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ ثم قال للغلام أرأيت يا بني هذه الهدايا .. سوف أعطيك أكثر وأجمل منها إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي .. ورددت لي بصري فَقَالَ الغُلام إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ رب العالمين فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللَّهِ ودَعَوْتُ

اللَّهَ فَلسوف يشفيكَ .. فَآمَنَ جليس الملك بِاللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ وأصبح يبصر النور فَأَتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ من قبل فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ إيه يا صديقي مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ قَالَ رَبِّي فقَالَ الملك أوَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي ؟ انظروا إلى الطاغوتية كيف وصلت ..!؟ أولك ربٌ غيري ؟ قَالَ رَبِّي وَرَبُّكَ  اللَّهُ رب العالمين فغضب الملك فَأَخَذَهُ إلى السجن .. فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ بشتى ألوان العذاب حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ فَجِيءَ بِالْغُلَامِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ : أَيْ بُنَيَّ قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ أي تشافي من فقدوا بصرهم وتُبرئ الْأَبْرَصَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ فَقَالَ إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ رب العالمين وحده .. فغضب الملك وأَخَذَهُ للعذاب 

فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ ويعذبه .. حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ فَقِيلَ لَهُ ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى الراهب أن يكفر بالله رب العالمين .. فَدَعَا بِالْمِنشَارِ فَوَضَعَ الْمِنشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ وقالوا له أكفر بالله رب العالمين فقال كيف أكفر بالذي خلقني وهو يحيين ..وأبى الكفُر بالله وثبت على دينه فَشَقَّهُ بالمنشار حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ على اليمين وآخر على اليسار..!  ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ وصديقه وحميمه من قبل فَقِيلَ لَهُ ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى أن يكفر بالله فَوَضَعَ الْمِنشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ ذات اليمين وذات الشمال ..

الله أكبر النبي في حديث آخر يقول صلى الله عليه وآله عندما جاءه الصحابة الكرام يشكون له أذى الكفار في مكة فقالوا له : يا رسول الله  أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا ..!؟ فقَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ  لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ نِصفين وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ وَعَصَبٍ ودم فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عن دينه .. وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ..

.. وينشر جسد الراهب .. ويقتل جليس الملك المؤمن .. ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلَامِ فَقِيلَ لَهُ ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى أن يكفر بالله رب العالمين فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا .. فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ  فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فألقوه من فوقه فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ أعلى الْجَبَلَ فَقَالَ الغلام  اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ فَرَجَفَ بِهِمْ الْجَبَلُ وارتجت بهم الأرض فَسَقَطُوا جميعاً وبقى هو ثابت على الجبل وكأنه وتد ..ثم جَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ وحده فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ .. أين جندي وحُراسي فقَالَ كَفَانِيهِمُ اللَّهُ فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ أي قارب فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ في قاع الماء فَذَهَبُوا بِهِ ولما انتصفوا في البحر قَالَ الغُلام اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ فَانْكَفَأَتْ بِهِمْ السَّفِينَةُ وانقلبت رأساً على عقِب فَغَرِقُوا جميعاً وبقى هو فوق سطح الماء .. ثم أنه جَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ .. ويحُك مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ أين جندي أين حراسي قَالَ كَفَانِيهِمُ اللَّهُ فأسقط في يد

الملك وأحتار ماذا يفعل بهِ .. فَقَالَ الغلام لِلْمَلِكِ إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي أبداً حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ أنا بِهِ فقَالَ الملك وَمَا هُوَ يا غلام ..!؟ قَالَ تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ثُم تَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي ثُمَّ ضَعْ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قُلْ وبصوت يسمعك فيه جميع رعيتك ( بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ ثُمَّ ارْمِنِي فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي وإلا فلن تصلني أبداً .. فَجَمَعَ الملِكُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ

فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ فلما رآى الناس ذلك قالوا جميعاً آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ آمَنَّا بِرَبِّ

الْغُلَامِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ أَرَأَيْتَ .. أَرأيت مَا كُنْتَ تَحْذَرُ من قبل .. قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ التي كنت تُحاذر قَدْ آمَنَ النَّاسُ بالله رب العالمين .. فغضب الطاغوت .. فغضب الملك فَأَمَرَ  بِالْأُخْدُودِ بأن تُحفر فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَحُفرت وَأَضْرَمَت فيها النِّيرَانَ .. ثم نادى بالناس وَقَالَ : أُقسم مَنْ  لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فلسوف نقحُمه فيها ونلقيه في حُفر النيران .. فلم يتراجع أحدٌ عن دينه وأخذوا يتدافعون وبكل إيمان إلى حُفر النيران وهم يقولون لا نكفر بالله رب العالمين .. وأقل الروايات تقول أن عدد الذين ألقاهم الملك في حفر النيران كانوا إثنا عشر إلفاً ..! ورواية ورواية أخرى كانوا سبعين ألف ! فجَاءَت امْرَأَةٌ وَمَعَهَا طفلٌ رضيع تحمِلُه بين يديها فَتَقَاعَسَتْ وترددت وخافت أَنْ تَقَعَ  فِيهَا وهي تنظر في وجه رضيعها تلفحُه سموم النار وذلك الهواء الحار .. فرقت به ولحاله وفجأة وإذ بذلك الرضيع ينطق بأروع بيان وهو يقول :: يَا أُمَّاه .. يا أُماه اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ فألقت بنفسها ورضيعها وأبت الكفر بالله رب العالمين ..

يقول تعالى واصفاً تلك المأساة ..

وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ () وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ () وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ () قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ () النَّارِ ذَاتِ الْوَقُـــودِ () إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ () وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ () وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن  يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ () الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ..

نعم والله هذا هو حال المؤمنين في كل بقاع الأرض .. ابتلاءٌ وابتلاءٌ وابتلاء .. ولكن هناك سيكون اللقاء .. هناك في الدار الآخرة .. وعندها سيكون النداء لهم (( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ))

 

 

 

 

 

 

 

 

وما أدراك ما كيدُ النساء!

فصل في النساء وما أدراك ما النساء !

( إن كيدهن عظيم ) هذا الوصف الإلهي لتلك المخلوقة الضعيفة الرقيقة المنكسرة ، وثم يأتي الوصف النبوي الكريم الذي لا ينطق عن الهوى ( رفقاً بالقوارير ) ولقد تفكرت كثيراً في هذا الوصف النبوي العجيب وأخذت أقرأ ما بين السطور وخلف تلك الحروف فقلت سبحان الله لعله صلى الله عليه وسلم أراد أن يترفق بنا منهم فأمرنا برفقتهم والترفق بهم حيث أن القوارير غالباً ما يكون فيها الماء والزاد فإذا انكسرت عطشت القافلة وتوقفت الرحلة ثم أن القارورة إذا انكسرت أيضاً كان حطامها مؤذياً وخطيراً فرفقاً بالقوارير !!

ومن الظريف ما جاء في تاريخ مدينة دمشق للإمام ابن عساكر المجلد 70 ص 244 قوله ( أن خالد بن صفوان التميمي دخل يوماً على الخليفة أبي العباس وليس عنده أحد فقال : يا أمير المؤمنين ، إني والله ما زلت منذ قلدك الله خلافة المسلمين أطلب أن أصير إلى مثل هذه الخلوة معك ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإغلاق الباب حتى أفرغ من حديثي معه كان أفضل ، قال فأمر الحاجب بذلك ، فقال : يا أمير المؤمنين إني فكرت في أمرك ، وأجلت الفكر فيك فلم أَرَ أحداً له مثل قدرك أقل اتساعاً في الاستمتاع بالنساء منك ولا أضيق عيشاً معهن مثلك ، وقد حجرت نفسك على امرأة من نساء العالمين واقتصرت عليها ، فإن مرضتْ مرضتَ ، وإن غابت عنك وحدك بقيتَ ، وإن حاضت حضتَ ! وحرمت على نفسك يا أمير المؤمنين التلذذ باستطراف الجواري وبمعرفة اختلاف أحوالهن ، والتلذذ بما يشتهى منهن ؟ إن منهن يا أمير المؤمنين الطويلة التي تُشَتَهى لجسمها الممشوق ، والبيضاء التي تُستحب للونها والسمراء الحارة بالفراش ، والصفراء العجزاء صاحبة المؤخرة الراهية (1) ( لعله يقصد نساء مصر ! ) ، والشقراء ذات الخبرة وحسن التغنج ونساء اليمامة ذوات الألسن العذبة والجواب الحاضر ، وبنات سائر الملوك ما يشتهي من نظافتهن وحسن أنسهن ، يقول خالد : فلما رأيت من حسن إصغاء الخليفة واستعذابه لحديثي تحللت بلساني فأطنبت في صفات أنواع الجواري ولطائف النساء حتى بلغ شوق أبى العباس إليهن مبلغه ، فلما فرغ خالد قال : ويحك يا خالد ما سلك مسامعي والله كلام قط أحسن من هذا ، فأَعدْ عليّ كلامك فقد وقع مني موقعاً ، ، فأعاد عليه خالد كلامه بأحسن مما ابتدأه ، ثم قال : انصرف عني يا خالد ودعني فيما شغلتني فيه ! ، وبقي أَبُو العباس يفكر فيما سمع من خالد ويقسم أمره ، فينما هو يفكر وذهنه شارد إذ دخلت عليه أم سَلَمة (2) ( وهي أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبدالله بن الوليد ) ، وقد كان أبو العباس حَلَف ألاّ يتخذ عليها امرأة ووفى لها ، فلما رأته مفكراً متغيراً قالت له : إني لأنكرك يا أمير المؤمنين ، فهل حدث أمرٌ تكرهه أو أتاك خبرٌ ارتعت له ؟ فقَال : لا والحمد لله ، ثُم لم تَزل تستخبره حتى أخبرها بحديث خالد ، فغلى دمها وقالت بنفس حار فماذا قلت لأبن العاهرة !!؟ فقَال لها : سبحان الله ينصحني وتشتمينه ، فقالت حسناً حسناً يا زوجي إنما هي نفثةٌ عابرة ! ، ثم أنها خرجت واستدعت مواليها فأمرتهم بضرب خالد وشج فمه ، يقول خالد ولقد خرجت مـن

قصر الخليفة وأكاد أطير من الفرح بما ألقيت من حديث دسم لأمير المؤمنين ، ولقد علمت أن صلة وخلة

 

ستتولد بيني وبين الخليفة من هذا الحديث ، فينما أنا مع صحابتي واقفاً إذا أقبلت جارية من القصر تسأل عني ومعها عبيد من القصر ، فقلت في نفسي هذه والله بوادر الجائزة والصلة ، فقلت لهم ها أنذا ، فاستبق إليّ أحدهم بِخشبةٍ عريضة فلما أراد أن يهوى بها عليّ غمزت برذوني فلحقني فأصاب كفل البرذون فتنادى إِليّ الباقون وغمزت البرذون فأسرع ، ثم أني نزلت راكضاً وتركت البرذون خلفي من الهلع والخوف حتى فتهم واستخفيت في منزلي أياماً لا أخرج إلا لحاجتي متلثماً وقد وقع في قلبي أني أوتيت من قِبل أم سلمة  فطلبني أبو العباس فلم يجدني ، فلم أشعر إلا بقوم قد هجموا عليّ وقالوا : قم يا هذا وأجب أمير المؤمنين ! فسبق إلى قلبي أنه الموت ، فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون ، لم أَرَ دَمَ شيخٍ أضيع مني ! ، فركبت إلى دار أمير المؤمنين وكأني أركب إلى القبر ! ، ثم لم ألبث أن أذن لي فأصبته خالباً وحده فرجع إليّ عقلي ، ونظرت في أنحاء المجلس الكبير فإذا بأحد زواياه عليه ستور رقاق ، فقال يا خالد لم أرك ، قلت كنت عليلاً ، قَال ويحك إنك وضعت لأمير المؤمنين في آخر دخلة دخلت بها عليّ من أمور النساء والجواري صفة لم يخرق مسامعي قط أحسن منه ، فأعده عليّ ، قال خالد وسمعت حساً خلف ذلك الستر فقلت : نعم يا أمير المؤمنين ، أعلمتك أن العرب إنما اشتقت اسم الضُّرّتين من الضُّرّ ، وإن أحداً لم يكن عنده من النساء أكثر من واحدة إلا كان في ضُرّ وتنغيص! فقال أبو العباس : لم يكن هذا في حديثك ، فقلت بلى والله يا أمير المؤمنين قَال الخليفة لعلي نسيته إذاً فأتمم حديثك فقلت : وأخبرتك أن الثلاث من النساء كأثافي القدر يغلي عليهن ! قال أبو العباس : برئت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت سمعت هذا منك يا خالد ولا والله ما مر في حديثك أبداً ، فقال خالد : وأخبرتك أن الأربع من النساء شرّ مجموع لصاحبه يشيبنه ويهرمنه ويحقرنه ويقسمنه ، قال : لا والله ما سمعت هذا منك ولا من غيرك ، قلت بلى والله يا أمير المؤمنين فقال ويحك يا خالد أفتكذبني ؟ فقال أو تقتلني !؟ نعم والله يا أمير المؤمنين ، وأخبرتك أن أبكار الإماء رجال إلا أنهن ليست لهن خصي ولا على وجوههن لحى ، قال خالد : فسمعت ضحكاً من خلف الستر ، ثم قلت نعم وأخبرتك أن عندك ريحانة قريش وأنك تطمح بعينيك إِلى النساء والجواري ! قال خالد فسمعت حساً من وراء الستار يقول لي : صدقت والله يا عماه ، وبهذا حدثته ، ولكنه غير حديثك ونطق عن لسانك ، ثم صرخ الخليفة : ما لك قاتلك الله وفعل بك وفعل ، قال فانسللت من مجلسه ورجعت داري ، وما إن توسدت وسادتي حتى سمعت طرقاً على الباب ، فتحت الباب وإذا بمبعوث من أم سَلَمة قد أتى لي بعشرة آلاف درهم ، وبرذون مسرّج وخاتم نفيس !!

 

n                   

ليلة الرجوع !! ( 1 ـ 2 )

في ساعة متأخرة من ليالي الشتاء الباردة ، وبينما أنا جالس في مكتبتي الخاصة بالمنزل سمعت وكأن صوت سيارة توقفت عند الباب 000 أسمع خطوات الخطوات تقترب وتقترب وإذ بطارق على الباب يطرق طرقاً خفيفاً ، وضعت الكتاب من يدي وخرجت أرى من زائر الليل هذا !؟

فتحت الباب وإذ به أحد أصدقاء الجامعة يقف أمامي صامتاً لا يتكلم ! حدقت به وإذ عينيه قد بدتا محمرتين ووجهه يعلوه كآبة وحزن ، إنه يريدني أن أسأله عما أصابه إنه يود أن يفضي لي ما في قلبه إنه يريد أن يبكي بين يدي بصوت عال لكن لا يسمعه من البشر سواي !!

لقد أدركت هذا كله قبل أن تنبس شفته بحرف واحد لي لأني أعرف نفسية هذا الأخ جيداً وأدرك كم يثق بي  ولم أكن أريد أن يطول حديث العيون فالسان أفصح تعبيرا في هذه الظروف ، سلمت عليه وسألته ما الخبر !؟ كان رده سريعاً هل ممكن أن أدخل ؟ فقلت أعذرني يا هذا فهيئتك الحزينة أنستني حتى حق ضيافتك !!

إنه يدخل ويجلس في زاوية الغرفة مطأطأ الرأس كئيباً ، اقتربت منه وأمسكت يده اليمنى بكلتي راحتي قائلاً له مالك يا أخي ما الذي أصابك وآلمك !؟

لم أنته من سؤالي حتى أنفجر من البكاء لقد كان بكاء مراً 000 إنه يتكلم إنه يتمتم بكلمات ولكني لا أتبينها من شدة بكائه ولوعته !! أخي الحبيب أخي الحبيب هدأ من روعك وخذ كأس الماء البارد هذا لعله أن يطفأ حرقة قلبك 0000الماء صار يتصبب من حواف الكأس فيداه ترتعشان بشدة ويهدأ قليلاً ويتحدث بطيئاً لقد بدأت أتبين كلامه أنه يصارح ويصارح بشدة !!

انه يكشف المستور انه يقول ويا ليتني لم أسمع ما يقول وتزداد الصراحة والدموع تتساقط من عينيه ويقولها بصوت مخنوق ( لقد وقعت بالفاحشة لقد وقعت !! )

إنني اشهق ماذا الفاحشة معاذ الله ما هذا الكلام الذي تتفوه به !؟ وكيف وأنت الذي عرفناك على الاستقامة دوماً !؟ فرد والله أنا  لا أعرف كيف وقع هذا ولكني أذكرها وهي تلاحقني أينما أذهب ! إنني أراها في أروقة الجامعة في المحاضرات في الممرات حتى تطور الحال وصارت تقف أمام سيارتي وتتبسم وتتكرر الابتسامات وتتكرر الوقفات وتتجرأ أكثر فتبدأني بالتحية وأرد عليها السلام إنها تسألني عن اسمي إنني اسألها عن اسمها !؟ إنها تشتكي لي من صعوبة الامتحانات والدراسة إنني أشجعها على الدراسة ولم أكن أعلم أنني أشجعها على نفسي وليس على الدراسة !!

ونتبادل الأرقام إنها تتصل بي إنني اتصل بها إنها تطرأ علي في صلاتي وتفسد خشوعها صلاتي أصبحت مجرد حركات وبدى جلوسي بالمسجد مملاً وصيام الاثنين والخميس ثقيلاً 0

إنني أسهر على الهاتف إنني أنام عن صلاة الفجر إنني لا أقرأ القرآن إن قلبي يقسو إن إيماني ينتكس إنني ألتقي بها سراً واللقاءات تزداد وتكثر ثم تزداد وتزداد وأقترب من الحرام وأقترب من الكارثة وأخيراً إنني أقع في الفاحشة ! عندها صمت صاحبنا طويلاً وبدأ الكلام يتساقط من جفنيه لا من شفتيه ولقد كنت صامتاً أيضاً ولكن قلبي يصرخ ألماً ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) 0

لم أكن أريد أن ألقي عليه محاضرات في التوبة ، فلقد كانت دموعه ومصارحته لي أكبر دليل على رجوعه لله وتوبته ، وما كان مني إلا أن تلوت قوله تعالى ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون )

وبعد أن أفرغ صاحبي دموع التوبة بين يدي  ودعني وهو يبكي حرقة الفاحشة ولهيب المعصية كان الوقت متأخراً جداً وقارب أذان الفجر الأول أن يرفع ، فرجوته ألا ينام حتى يصلي الفجر 0000 هو الآن قد وصل إلى بيته كل شيء صامت من حوله بيد أن صخب الفاحشة ما زال يعلو في قلبه !

هو الآن يشرع في الوضوء والماء الفاتر يسكبه عل راحتيه بطيئاً ويحدق في المرآة بعد أن غسل وجهه ويرى عبراته التي مازلت تتحدر وتختلط بماء وضوءه  

 

( أكمل القصة من مقالك في الشبكة )

 

 

 

 

 

قصة الحذاء العاشق !! أكمل القصة

 

غرام وحبٌ من حــذاء !

توطئة : هذه  قصة رمزية تجسد في شخوصها من يتورطون في شر لا بد منه كتلك القردة التي عشقت حارس الحديقة ! وأنوه بأن القصة لا تتعدى بضعة أسطر ولكننا أعملنا فيها ريشتنا لنرسمها وتخرج لكم هذه اللوحة !

n كان في الحجاز رجلٌ اسمه ( ابن حيزوم !) وكان له ( مَـدَاس ) يلبسه منذ سبع سنين ، وكلما تقطّع منه موضع جعل مكانه رُقعة حتى صار في غاية الثقل ، وكثر تندر الناس عليه بل وضربهم فيه المثل !

وحدث أن ابن حيزوم دخل يوماً سوق لبيع الزجاج والقوارير فقال له سمسار : يا ابن حيزوم قد قدِم إلينا اليوم تاجرٌ من الشام ومعه بضاعة  من قوارير الزجاج المذهبة وهو يستعجل بيعها ليلحق ركب من سيرحلون بحراً للهند فإن شئت يا بن حيزوم اشتريتها لك بسعر زهيد لتربح فيها بعد أقل من عام فتكسب ضعف ما دفعت فيها فمضى واشتراها 000

ثم أنه دخل سوق العطارين وإذ بسمسار آخر يعرض عليه بضاعة من ماء ورد ودهن عود معتق وقال له ان صاحبها يستعجل السفر فلك مني يا ابن حيزوم أن آخذها لك بسعر زهيد فاشتراها وملأ بهما قوارير الزجاج المذهب ثم أنه وضعهما على رفٍ من رفوف بيته في الصدر .

ثم أن ابن حيزوم ذهب لحمام المدينة ليغتسل فقال له أحد أصدقائه يا بن حيزوم هلا غيرت مداسك هذا فهو والله في غاية البشاعة ! وأنت ذو مال وحظ كريم .. فقال صدقت يا صاحبي وسمعا لما نصحتني به وطاعة 0 

وحدث أن عندما خرج من الحمام ولبس ثيابه …رأى بجانب حذائه حذاءاً آخر جديدا فظن ابن حيزوم أن صاحبه الذي نصحه بتغيير المداس قد اشتراه إكراما له بعد أن قبل بنصيحته ، فلبسه ومضى إلى بيته ..

ولكن السيئ في الأمر  أن ذلك المداس الجديد كان لقاضي الحجاز الذي دخل يستحم هو أيضا بحمام المدينة ! فلما خرج القاضي لم يجد مداسه ففتشوا الناس الحمام فلم يجدوا سوى مداس ابن حيزوم الذي اشتهر عندهم !

فأرسل القاضي حرسه فكبسوا على ابن حيزوم بيته ليجدوا مداس القاضي عنده ! فضربه القاضي بمداسه القديم تأديبا له ثم أغرمه بعضا من المال وحبسه مدة ثم أطلقه … فخرج بن حيزوم من سجنه وحذاؤه بين كفيه وقلبه يغلي كمداً منه ! فمضي إلي النهر فألقاه فيه ليغوص بعده بالماء فوراً لثقله !

فأتى بعض الصيادين ورمى شبكته فعلق فيها فلما رآه الصياد عرف أنه لابن حيزوم وظن أنه سقط منه في النهر فحمله إلى بيت بن حيزوم ليرجع له مداسه وطرق الباب فلم يجده فنظر فرأى نافذة تطل من صدر البيت فرمى المداس فيها فسقط على الرف الذي فيه قوارير الزجاج المملوءة بماء الورد والدهن المعتق فوقعت إحداهما على الأخرى لتقع بعدها على الأرض وتنكسر ويتبدد ماء الورد والعود المعتق ! فرجع ابن حيزوم ودخل داره فعرف بالأمر وأخذ يلطم وجهه وهو يبكي ويصيح وافقراه000 أفقرني هذا المداس الملعون !  

 ولما خيم الليل عليه سكونه تململ بن حيزوم بفراشه وعطر الورد والعود يزكم أنفه وغدى من همه وحزنه يشتم

 

الطيب جيفة نتنة ! فقام وتأبط حذائه وخرج به ليحفر له في الليل حفرة يدفنه فيها ويرتاح منه الدهر كله ، فسمع الجيران صوت حفرٍ فظنوا أن أحداً ينقب عليهم فخرجوا إليه بالعصي وضربوا بن حيزوم وشكوا أمره للحاكم فقال له كيف تستحل الحفر على حائط جيرانك ؟ فلما أخبره أنه يحفر ليواري حذائه ظن الحاكم أن يستخف به فحبسه ولم يطلقه حتى أغرمه بعضا من المال ! ثم أنه خرج من السجن وهو يضرب أخماس بأسداس ويتكلم مع نفسه ويقول ويلك مني يا حذاء ! وحمل الحذاء وذهب إلى حمام المدينة وألقاه في الكنيف ( المرحاض ) أجلكم الله  وهو يقول له هذا مكانك يا حذاء الفقر ! وبعد أيام فاض المرحاض وضجر الناس من النتن ! فحفروا تحت الكنيف فوجدوا الفتحة قد سدت بحذاء فلما تأملوه فإذا هو مداس بن حيزوم ! فشكوا أمره للوالي فناداه الوالي وأمره بأن يصلح كنيف المدينة ! وغرمه على إيذاء الناس بالرائحة الكريهة جملة من المال ثم ان بن حيزوم علم أن قدر له أن لا يفارق هذا الحذاء فمسك الحذاء وجعله عند وجهه وخاطبه قائلاً يا حذائي قد والله عرفت قدرك ومكانتك ولن أفرط فيك ولكن أرجوك أن تكفني شرك ! فأخذه وغسله وطيبه وجعله بفناء بيته حتى يجف بالشمس فصادف طائر عظيم يحلق فوق البيت ولما رأى الحذاء بوسط الفناء ظنه طعام لأهل البيت فانقض عليه وطار به عاليا ولما اشتمه في السماء علم أنه ليس بطعام فأفلته فوقع على رأس رجل فآلمه وجرحه جرحاً بليغا فخرج الرجل والدماء تسيل من رأسه ليرى من رمى عليه الحذاء فقالوا الناس له إنه لابن حيزوم  ورفعوا أمره مجددا للوالي فألزمه بالعوض والقيام بلوازم المجروح مُدة مرضه حتى نفد جميع ماله ولم يبق عنده شيء ! 

 

n ( لوحةٌ مصعبية ! ) هكذا فلنتحدث عن شهيدنا مصعب بن عمير ..!

لا بأس يا معاشر السادة النبلاء أن نستروح اليوم معكم بذكرى شهيد .. ونطرز الزاوية كما عودناكم بين فينة وأخرى بتلوين لوحتنا بمن شرفت الأرض بوطء أقدامهم .. وتعطرت المجالس بذكر محاسنهم .. وليت شعري كأنني أرى السحاب الأبيض باهتاً بياضُهُ عند بياضِ تاريخهم ..وكأن الشمس كالح إشراقها عند سطوع أمجادهم ..!

اليوم سنبرق إليكم بديباجة ( مصعبية ) .. وبفحولة تاريخية .. ذاك الذي قد حصل له من حميد الذكرِ وجميل النشرِ ما لا تزال الرواة تدرسُه..والتواريخ تحرسه..وقد بجله المؤمنون بالخبر قبل الأثر وبالوصف قبل الكشف فلله دره من حُر شريف!

بدأت حكايته عندما ولدت امرأة غنية ومنعمة وتسمى خناس بنت مالك غلاماً جميلاً من زوجها القرشي عمير بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ..ثم أنها انتقت له من الأسماء أحلاها فكان ( مُصعب ) وينشأ غلامها في احسن عيشة وانعم حياة .. فعطره دوماً فواح ، وحواشيه رقيقة ، ولبسه كأنما خيط لأمير..وقماشه تحسب غزله قد نسج من رداء الملوك ..! ودع عنك خيله الغر الأصيل..ومسكنه الحسن ..وهكذا ..!

 وبينما هو في غمرة ذاك الرغد .. يرتج غار حراء ..! وتضاء القناديل في أعلى الجبل ! ويُبعث إلى العالمين الرحمة المهداة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتتنفس الأرضُ الصعداء ويستبشر البر والبحر بمقدمه .. لتصيب من رحماته وآياته المنزلة على صدره الشريف قلب صاحبنا ( مصعب بن عمير ) رضي الله عنه .. لينقلب حاله رأساً على عقب ..فلا ماء صار يرويه إلا ذاك الذي يتقاطر من كف سيدنا محمد ! ولا مسكن يهنأ فيه إلا بقرب نبيه ! وتغضب والدته ( خناس ) وتشكو أمره إلى أبيه عمير ..فيحبسه أبوه في منزله وتنقطع أمه التي لم يرد لها يوما طلباً عن الأكل وتقسم عليه بأنها لن تهنأ بشراب ولا طعام حتى يرجع عن دين الله .. ليقول لها قولته الخالدة (( والله يا أمي لو أن لك ألف نفس خرجت واحدة تلو الأخرى ما رجعت عن ديني ) ويتسلل ليلاً ليخرج مهاجراً إلى الحبشة بأمر من النبي ليكون أول المهاجرين في الإسلام ..ثم يرجع بعدها إلي مكة ولم يقرب منزله حتى أتى إلى رسول الله فيسر به ويستبشر فأرسلت أمه إليه تقول : يا عاق أتقدم بلداً أنا فيه لا تبدأ بي ؟ فرد على خادمها قائلاً ما كنت لأبدأ بأحد قبل رسول الله .. ثم أنه دخل على أمه وإذ به أشعث الرأس..أسمالهُ بالية ..ونعلهُ مخصوفة وفي عينيه أثر البكاء من الخشية فعلمت أنه ممن طلق الدنيا ثلاثاً .. ثم أنه وقف عند رأسها وقال يا أماه إني لك ناصح وشفيق : ألا تشهدي بلا إله إلا الله وبأن محمد رسول الله ؟ فردت عليه قائلة : والثواقب لا ادخل في دينك..ولكن صدق الله في سورة النحل ( إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ ) .

يقول ابن سعد في طبقاته في الجزء الثالث أن الأنصار أرسلت إلى رسول الله كتاباً فيه : ابعث إلينا رجلاً يُفقهنا في الدين ويقرئنا القرآن ، فبعث إليهم رسول الله مصعب بن عمير .. فكان أول المهاجرين الذين نزل فيهم قوله تعالى          ( وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) أهـ .

وهناك ينطلق مصعب رضي الله عنه في الدعوة إلى الله فكان يأتي الأنصار في دورهم وقبائلهم فيدعوهم إلى الإسلام ويقرأ عليهم القرآن فـيُسلِم في جلسة واحدة الرجل والرجلين حتى ظهر الإسلام وفشا في دور الأنصار كلها حتى لقب في المدينة (( بمصعب الخير )) وهكذا يا معاشر النبلاء اكتسب بفضل دينه وتقواه وصدقه مع ربه حب الصالحين والمؤمنين وسبحان الله لم يكن يوماً يبحث عن الإثارة بحجة الدعوة .. ولم تصبه الخـفة في دين الله !! ولكن كان نموذجاً ربانياً دائم

الخشية ، كثير الحياء ، وليس له مع الناس إلا وجه واحد !! ويعرف كل من اقترب منه بأن سره خيرٌ ألف مرة من علانيتــه .. فاللهم احشرنا معه آمين يا رب العالمين ..

ويقدم بعدها رسول الله إلى المدينة فيقوم مصعب ويسلم راية الدعوة إلى إمام الدعاة ، ويكمل مسيرته الدعوية في ظل رسول الله وقيادته ..وتمضي الأيام وتبدأ أول مواجهة دموية مع الباطل وتبدأ معركة بدر فيقوم رسول الله بتسليم لواء المهاجرين الأعظم مع مصعب بن عمير ..وتبدأ المعركة لترى الكفار وقد طاروا بأجنحة الوجل وتمنوا لو كانوا بين الأهل   فأعملوا المسلمون فيهم سيوفهم وجعلوا صدورهم غمدا لمهندهم ! ولكأني أرى الكفار وقد نفتهم الأرض من مناكبها وضاقت عليهم جوانبها.. لينقشع بعدها غبار المعركة ويفرح المؤمنون بنصر الله ، ثم تأتي غزوة ( أُحد ) ويعطي رسول الله الراية واللواء يوم أُحد لمصعب بن عمير ، فلما جال المسلمون وحمي الوطيس .. ثبت مصعب الرجولة والفحولة فتقدم إليه الكافر بن قميئة فضرب يده اليمنى كي يسقط راية الإسلام فانقطعت يمين مصعب ولكنه تلقف الراية بيسراه ! فحنا الكافر بالسيف علي يده اليسرى فسقطت على الأرض فانحنى مصعب على اللواء بعضديه وضمه إلى صدره وهو يرتل القرآن..!  فقام بن قميئة وأنفذ رمحاً إلى صدره .. عندها فقط وقع مصعب شهيداً وبقيت الراية فوقه ..! نعم والله سقطت قامته ..ولكن شموخه كان أكثر طولاً وهو مسجى بين أعلى الرمـاح ..!

ولما أن انتهت المعركة .. وقام رسول الله يمشي بين القتلى ابصر مصعب بن عمير فوقف عنده ودمعت عيناه ثم قرأ (( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً )) ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يرفع ليصلي عليه مع عمه حمزة رضي الله عنهما وأرضاهم .. وجاء في صحيح البخاري أن الصحابة أرادوا أن يكفنوا مصعباً فلم يجدوا له إلا غطاء واحداً إذا وضعوه على وجهه ظهرت رجلاه وإذا وضع على رجلاه بدا وجهه.. نعم لقد أراد الآخرة بحق !

معاشر السادة النبلاء   

جاء في سنن الترمذي عن إمامنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه وأرضاه قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُعْطِيَ سَبْعَةَ نُجَبَاءَ أَوْ نُقَبَاءَ وَأُعْطِيتُ أَنَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ قُلْنَا مَنْ هُمْ قَالَ أَنَا وَابْنَايَ وَجَعْفَرُ وَحَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ (( وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ )) وَبِلَالٌ وَسَلْمَانُ وَالْمِقْدَادُ وَحُذَيْفَةُ وَعَمَّارٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ . أنظر سلسلة الأحاديث الصحيحة

قرائنا النبلاء .. تلك لوحةٌ مصعبية قمت برسمها.. ولم يهنأ لي رقاد ولم أتلذذ بسهاد حتى استكملت تلوينها ..طمعاً مني في أن أجعل حروفها تنطق..وألوانها تبرق ..وعباراتها من المسك تعرق ..لعل وعسى أن ترتفع بها همماً قد فترت وتترقق فيها قلوباً قد غلُظت..فذاك هو الداعيةُ الذي لم يدخل يوماً سوق الرياء ولم يشتري أقنعة من العطار..!! رضي الله عنه وأرضاه

 

n تهذيبٌ كامل لها وتعديل جذري!!

رَائِعةُ الحِرمان

 ( رائعة الرحيل الحزينة  0000000 وداعاً حبيبتي أم عمر !! )

قبل عدة سنوات ، قدر الله أن أصاب وأبتلى بفقدان زوجتي ذات الثلاثة وعشرين ربيعاً .. كان رحيلها فاجعة لجميع من حول تلك الفتاة بكل معنى الكلمة.. كانت في طريقها لإلقاء درس إيماني عن الخشوع في الصلاة لمجموعة من الفتيات في دور الرعاية الاجتماعية .. وفي الطريق وقع لها حادث سيارة لأصبح فجأة أباً وأماً لأطفالي الثلاث..

في تلكم الأيام الحزينة .. أمسكت قلمي وأخذت أسطر قصة الرحيل .. ولم أتوقف عن الكتابة حتى كتبت كل القصة ، كان أنسب عنوان وجدته لهذه الفاجعة .. هو ( رائعة الرحيل الحزينة .. وداعاً حبيبتي أم عمر )  

حقيبتي المبعثرة !

ها أنذا أرجع لمنزلي بعد أن قضيت نهاري بالعمل كي أطعم أطفالي الثلاثة طعام الغداء الذي كانت تعده لنا آنذاك والدتي الحبيبة رحمها الله ، وهناك قبلت رأسها ويديها الكريمتين ثم صعدت لغرفتي ، فتحت الباب وإذ بطفلي أسامة يلعب على سريري كعادته ، ولكني فوجئت بطفليّ ( عمر وشهد  ) قد عبثا بخزانتي الخاصة وأخرجا حقيبة كانت مـخبـئة منذ عدة أشهر ، لم أنتبه إلي عبثهم على قدر ما انتبهت إلي كلماتهم البريئة ونبرتهم الحزينة ( بابا بابا شوف ماما  ..بابا بابا نريد الذهاب إلى أمي !! ) كانت كلماتهم كسهام طائشة نفدت إلى قلبي المكلوم  ووجدت نفسي أضمهم إلي صدري المحروم وحاولت النطق فضاع مني الكلام فألهيتهما عن كآبة القلب بسرور البطن ، فدفنت كل آلامهما في بعض قطع من الحلوى فطعما وضحكا ،  وقمت أجمع الصور المتناثرة بين سيقان أطفالي وأنا أحاول أن أغض بصري عنها ولكن حنيني إلى الماضي الجميل جعلني أسترسل في النظر إليها من جديد وفي زحمة هذا الموقف رجعت بي الذاكرة سريعاً للوراء وأخذت الأحداث تتجسد في مخيلتي من جديد وإذ بي أستذكر تلك السنة

ليلة مكيـــــة :

عندما ذهبت في صيف عام ( 1992 ) إلى مكة المكرمة برفقة صديق الروح الأخ ( محمد العوضي ) ــ الذي بزغ نجمه عندما اعتلى المنابر خطيباً مفوها بالثمانينات وصاحب البرنامج الرمضاني الشهير ( صور وخواطر ) في التسعينات  ــ  وكنا نراجع سوياً رسالة الماجستير التي قدمها العوضي لجامعة أم القرى آنذاك ، وكنا نقوم بجولات ثقافية وفكرية لنخبة من الاخوة في المجتمع المكي هناك ، وفي ليلة مكية جاء هاتف من الكويت إنها والدتي الحبيبة تقول لي بشراك يا محمد لقد وجدنا لك عروساً يعجز لساني عن وصفها لك ، جمال لا يوصف والتزام بالدين يشار إليه بالبنان فضلا عن رقتها وأدبها ، تعال يا ولدي محمد للكويت كي نخطبها لك قبل أن تفوتك ! استشرت صاحبنا العوضي ولما أخبرته عن اسمها كاملاً ضحك وقال يبدو بأننا سنصبح عديلين أيضا..!

  ميلادنا الجديد :

وما هي إلا أيام وإذ بي أقف أمام منزلهم ، طُرِقَ الباب وما هي إلا لحظات وإذ بي أرى جمالاً لا يحق لي وصفه على الملأ ،

                          والفراشات ملت الزهر                 لما حدثتها الأنساب عن شفتيك

                           قتل الورد نفسهُ حسداً                 منكِ وألقى دماه في وجنتيكِ !

 لقد رأيت حياءً بملامح امرأة ! إنها تحاول أن ترفع عينيها لتراني لكنها لم تستطع خلقا وخجلاً ، وشعرت منذ اللقاء الأول كمن التقى بمحبوبته بعد طول فراق وكأن في قلبينا انتظارا لبعضنا البعض منذ زمن بعيد ! ولم تكد عيني تكتحل بعينيها حتى أخذ فؤادي يرسمها حوراء في مخيلتي ، في تلك اللحظات ازدادت نبضات قلبي وبدأت دقاته تردد هذه جميلتي هذه فتاتي التي أشدو وأنشد0

في تلك الليلة وقفت قبل أذان الفجر أصلي صلاة الاستخارة وما أن قضيت الصلاة حتى ازداد قلبي تلهفاً وشوقا للقاء تلك العذراء ..وتم عقد القران ، كان شعوراً لا يوصف عند اللقاء الأول هل حقا أنا أمتلك هذه الجوهرة الثمينة ، الكل كان يغبطني عليها ، حتى النساء من حولي كنت أسمعهن يرددن لقد فزت يا محمد لقد فزت ! وفي يوم الزفاف حدث لدي شعور غريب فعندما ركبت السيارة متوجهاً لمنزلها ركب معي بعض الاخوة وفجأة وفي غمرة السرور رأيت بالأفق كأن جنازة مهيبة تمر أمام عيني  وإذ بي ومن غير مقدمات أخذت أردد الله أكبر أنتم الآن تزفوني إلى عروسي فكيف يا ترى إذا جاء اليوم الذي أزف فيه إلى قبري  ؟

سمو الحُـب !

 وبدأت حياتي الزوجية تنساب كقطرات ماء بارد على قلب ظمآن، وفي ليلةٍ هادئة أيقظتني وهي نقول انهض لقد رأيتُ رؤياً عجيبة ! ماذا رأيت ؟ لقد رأيت كأنما أخذت من تحت سريرنا موزةٌ صفراء جميلة !! قلت لها لعلها رؤيا خير ، وما هي إلا أيام وإذ بالعروس تبشرني أنها في الأسبوع الثالث من الحمل ! وتمر الشهور سريعة كان الحمل خفيفاً للغاية وتضـع ( أم عمر ) بعد تسعة أشهر من الزواج في الساعة الثالثة فجرا ، وعلى قدر ما كان الفرح يغمرني بقدوم طفلي الأول إلا أن الألم والحزن كان يعتصرنا سوياً على فراقنا طيلة أيام النفاس ومضت الأشهر الأولى من الولادة وكانت دائما تردد على مسمعي أرجوك يا زوجي الحبيب دعنا ننتظر عدة سنوات وبعدها ننجب مولودا آخر ، ولكن مشيئة الله أسبق فبينما كنت مستغرقاً في النوم وإذ بنبرة حزينة ونداء خافت :: محمد قم يا محمد الله يستر أحس بأني حامل ! كيف أنت حامل ومتى ؟  قالت لقد رأيت للتو  كأنما أخذت من تحت فراشنا موزة صفراء جميلة !! إنها الرؤيا نفسها التي رأيتها وأنا حامل بولدنا ( عمر ) في الأيام الأولى ! ضحكت ولكنها لم تضحك وأصرت على أن أذهب في الصباح

 

الباكر لأشتري لها اختبار الحمل وكانت النتيجة مطابقة للرؤيا !

 

وتتجدد الرؤيا ثالثاً !

وتلد أم عمر طفلتي ( شهد ) إنها أنثى ( وليس الذكر كالأنثى )  فهي أجمل وألطف وأحـن ، كان أكثر ما يقلق بال أم عمر هو أن لا تحمل مجدداً بحمل ثالث لا سيما أنها كانت في السنة الأخيرة من كلية الشريعة وتريد

أن ترتاح من الدراسة ، وبعد مضي خمسة أشهر فقط من ولادة شهد كنت جالســاً في مكتبتي المنزلية بعد صلاة الفجر وفجأة وإذ بأم عمر تدخل عليّ مسرعة والدمع يملأ عينيها وهي تنتحب ؟ قلت متعجبا ما الخبر ؟ قالت أنا حامل  لقد رأيت للتو بأنه تحت فراشنا موزة صفراء جميلة  ضحكت عليها وقلت أضغاث أحلام ولكنها أصرت على أنها حامل حتى لو كذبها اختبار الحمــل  !! ويمر أسبوع فقط على رؤياها وإذ باختبار الحمل تصدقه الرؤيا !! كانت في السنة الأخيرة من الجامعة ولكن ولادة طفلنا الثـالث ( أسامة ) حـال دون إكمالها الفصل الدراسي الأخير ، وتمضي الأيام سريعة وتتخرج فتاتي من الجامعة بينما يتبقى لي فصلٌ دراسيٌ واحدٌ 0

 في تلك الأيام وبالتحديد في الشهر السابع من العام 97 بدأنا أنا وأم عمر نحس إحساساً غريباً تجاه أطفالنا الثلاثة فعلى قدر الحنان الذي كانوا يجدونه في أمهم إلا انهم  بدءوا يتعلقون بي تعـلقاً غريباً ، انهم لا يريدون النوم إلا بقربي ولا الأكل إلا من يدي ! ليس على لسانهم سوى كلمة بابا ! كانت أم عمر تقول لي إن أطفالك هؤلاء بمجرد أن تغيب عنهم يلتفون حولي ويعرفوني وما أن تعود إليهم  لا يبقى في قلوبهم سواك !

سلة المــــوز ! :

وذات يوم وبالتحديد اليوم الأول من الشهر التاسع من العام  ( 97 ) اتصلت بي أم عمر وأنا متوجه للعمل صباحا على هاتفي النقال فسألتها ما الذي أيقظك مبكرا يا أم عمر فقالت أيقظتني رؤيا غريبة ( رأيت نفسي كأنني ألبس ثوباً أبيض أكمامه قصيرة وكأن شعري يقطر ماءً وكأنني أطير في السماء وأرى السحب بيضاء من حولي !! ) أظن أنني راحلة عنك يا أبو عمر! إنني سأموت يا زوجي ! فقلت لها أرجوكِ كفي عن مثل هذا الكلام ! وهكذا بدأت أم عمر من ذلك اليوم تردد على مسامعي أنا سأموت يا محمد فأتوسل إليك إن أنا متُ حقاً ألا تترك أطفالنا دائما عند الخدم أرجوك كن دائماً معهم !! كنت أقول لها هل تعلمين يا أم عمر أنك إن مت سيموت كل شيءٍ جميل في حياتي وأرجوك كفي عن هذا الحديث ، لقد كان وجهها مشرقاً دوماً ، وأوقاتنا مفعمةً بالحياة والمرح ولهذا كنت مصروفاً عن التفكير جدياً بمسألة الموت ، ولكن الأمر العجيب فعلا هو ما حدث بعد عشرة أيام فقط من رؤياها الأخيرة ، فعندما رجعت من الجامعة جائتني وقالت عندي لك حديث خاص قلت تحدثي فقالت ( اليوم بعد أن صـليت الفجر رأيت بالمنام أنني أحمل سلة جميلة وفي السلة مــوز أصفر جميل ثم رأيتك أمامي فقلت لك خذ يا محمد هذه السلة  مني واحتفظ بها عنـدك  !! ثم قالت هذه المرة سألد توائم .. هو تفسيري لهذه الرؤيا ..فرحت فرحاً عظيماً لهذه الرؤية ، لا سيما وانها لم تخطئ أبداً !!

اللحظات الأخــــيرة :

وبعد مضي ثلاثة أيام من هذه الرؤيا فقط لا زلت أذكر ما حدث معي فلقد صحوت فجرية الخميس 17/9/97 من نومي وكان لدي إحساسٌ وشعورٌ لا يوصف بأنني سأموت قريباً جداً ولم أحس بهذا الشعور من قبل  إلى درجة أنني نزلت من غرفة نومي إلى مكتبتي بالأسفل مسرعاً ، وأخرجت ورقةً وقلماً وكتبت وصيتي وكان آخر ما كتبت بالوصية ( ألقاك بالجنة يا أم عمر إن شاء الله ) ثم قمت بتوقيع الوصية ووضعتها بدرج المكتب ، في  ذلك اليوم نفسه كانت أم عمر قد اشترت لي هدية وكتبت لي رسالة جميلة تذكرني بأن اليوم يصادف أحلى ذكرى في حياتها وهو يوم زواجنا المبارك ، وعندما رجعت للمنزل وجدت الهدية ولكني فقدت الوصية ! وفي صبيحة يوم الأحد 20/9/97  أذكر أن في ذلك اليوم طلبت مني أم عمر أن أساعدها في تحضير درس إيماني لها حيث أنها قد وعدت فتيات دور الرعاية الاجتماعية بمنطقة الدوحة أنها ستلقي لهم درساً إيمانيا بعنوان ( كيف تخشعين بالصلاة ) وموعد الدرس في الساعة الخامسة من عصر ذلك اليوم ، وتمضي فترة الظهيرة التي قضيناها مع أطفالنا الثلاثة وإذ بالمؤذن ينادي لصلاة العصر0

الرحيل الأخير!!

بعد رجوعي من الصلاة وجدت أم عمر قد توضأت ولبست ثوبها وأخذت تصلي ثم رأيتها ترتدي حجابها ونقابها وودعتني مغادرة لدور الرعاية لإلقاء موعظتها للبنات ..عد رجوعي من صلاة المغرب سمعت الهاتف يرن : إنه محقق مخفر الشويخ يسألني عن علاقة مالك السيارة بقائدة السيارة !!؟ وعندما صرخت به أين زوجتي ؟ قال لي لا تخف إنه حادث بسيط وهي الآن بمستشفى الصباح !! كنت أقود السيارة بسرعة جنونية ولا أعلم كيف وصلت للمستشفى ! كنت أركض بممرات المستشفى أسأل كل من تقع عليه عيناي أين أم عمر!؟

ذهبت للاستعلامات فقالوا اذهب لمحقق المستشفى دخلت على المحقق مستفسراً بحرارة عنها ؟ قام المحقق من كرسيه يهدئني ويطلب مني الجلوس قلت له لن أستريح حتى أرى زوجتي دعني أراها أولاً أين هي ؟ فقال لي يا أخي أنت إنسان مؤمن بالله ويجب أن تصبر !! قلت أصبر على ماذا ؟ فقال ويا ليته لم ينطق بـــها ( اصبر يا أخي زوجتك أعطـتـك عـمرها !! ) في الحقيقة يعجز القلم أن يسطر ما حصل  لي وقتها !! ولكن الذي أذكره أنني وجدت نفسي داخل سيارة الإسعاف وأحسست بحقنة تـغـرز في ذراعي ، لقد كان مفعولها فوريا حيث لم أشعر بعدها إلا وأنا ممدد على سرير في المستشفى ! فتحت عيني وإذ بي أرى عند رأسي يقف محمد العوضي أحسست به وهو يمسح على رأسي ويقبل جبيني كنت أرى عينيه مليئتين بالدموع ، عندما فتحت عيناي لم أستوعب ما الذي يحدث وكنت مندهشاً لماذا العوضي يبكي ، وفجأة تذكرت عبارة المحقــــق  ( أم عمر أعطتك عمرها !! ) أخذت غصة في القلب وأصابني من الألم ما الله به عليم ، وبدأت تتملكني غصة تتلوها غصة حتى امتلأ صدري حرقة ولم يبق إلا الدمع الغزير منفذا له ، في تلك اللحظة وصل شقيقي ولسانه يلهج بالذكر ، أذكر أنه كان يتلو عليّ آيات من القرآن وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم  في الصبر على المصيبة ..

كنت أرى شاباً في آخر الغرفة الكبيرة على ثيابه بقع من الدماء وهو يرمقني بنظرات حزينة وأحس بأن عينيه مليئتان بالكلام وفجأة رأيته قد تقدم نحوي وأمسك بيدي وقال لي عظم الله أجرك يا أخي في زوجتك ! قلت له من أنت وما هذه الدماء التي تغطي ثيابك !؟  فقال لي ( هذه دماء زوجــتك !! ) أنا وأخي حملناها إلى المستشفى ! فقلت له والعبرة تخنقني أرجوك اخبرني هل وجدتماها تتألم !؟ فقال لي لقد وقع الحادث أمامنا ولقد فتحنا السيارة وأخرجناها فوراً وهي من دون أي حراك ويعلم الله يا أخي أننا حتى لم نرها فلقد وجدنا عباءتها قد التفت حولها وكان نقابها يغطي وجهها إننا لم نــر إلا عينين مغمضتين فقط ، ولقد فوجئنا عندما سألتنا الطبيبة عن صلة قرابتنا بهذه الفتاة ، لقد كنا نعتقد أن التي حملناها هي امرأة عجوز ! فقلت له نعم والله ما عرفت منها إلا الطهر والعفاف وحرصها على الستر دائما ولقد سترها الله في مماتها كما سترت نفسها في حياتها ، ثم ودعني ورحل ، أغمضت عيني وأخذت أدعو الله أن يخفف ما بي من الألم والحرقة ..

وتمر اللحظات الحالكة .. وجاءت الأخبار بأن والدتها في حالةٍ يرثى لها فتحاملت على نفسي وذهبت برفقة أهلي لمنزل أبيها وهناك أدخلوني على والدتها المفجوعة وإذ بي أرى مجموعة من الثكالى قد اجتمعن في امرأة واحدة ! كانت لـغـتنا البكاء والدموع لقد حاولت أن أواســيها وأُصبرها ولكن ( فاقد الصبر لا يعطيه )!

 وعندما رجعت لمنزلي بدى كل شيءٍ قاتما وكئيباً والذي مزق قلبي هو مشهد أطفالي الثلاثة وهم نائمون جميعاً على فراش والدتي لقد كان منظرهم محزناً لا سيما الرضيع أُسامة ولكن الحمد لله على كل حال ولا حول ولا قوة إلا بالله ،

 

 وعندما تفرق الناس وهدأ الليل وجدت نفسي أصعد لغرفة نومي لقد كان صعودي هذه المرة مختلفا للغاية ! دخلت غرفتنا فإذا كل شيء فيها قد مسه الموت وبدت الجدران كعين مقروحة من أثر البكاء كانت آثارها في كل زاوية من الغرفة وعلى الأرض وجدت ثوب الصلاة وهو ملفوفاً بالسجادة لقد كان هذا الثوب هو آخر ثوب ترتديه ! تلقفت الثوب بيدي وأخذت أقبله وأشمه لقد كان مليئاً برائحتها الزكية  ونحيـبي يملأ أرجاء الغرفة ، كانت ليلة كئيبة يعجز المداد أن يسطر ســــوادها !! ولم تنكشف تلك الليلة حتى  رأيت نفسي أطلالاً مهجورة .. وينادي المؤذن لصلاة الفجر ( الصلاة خير من النوم ) قلت لنفسي لعله يقصد ( الصلاة خير من البكاء والنحيب ) !!

لقاء الوداع !!:

ويلوح الصبح لعينيَّ الساهرتين صبحاً فاتراً ذلك اليوم كأنه يقول لي " لم أطلع لك يا هذا !! "، ويبدو ضوء النهار حالكاً وبدأت أتساءل هل أنا في يوم جديد !؟ كيف ؟  فأنا ما زلت في غصة الأمس 00 ، وحُـرقَـتُـه لم تهدأ بعد ! آه من الوقت الذي يمضي فيه الموجود فيعذبني بمضيه أنه كان موجوداً ..!! وبما أن الفقيدة هي زوجتي والحادث قد وقع في سيارتي وبحوزتي كل أوراقها الثبوتية فكان لزاماً عليّ أن أقوم بإجراءات الدفن ! كنت برفقة شقيقها الأكبر وهناك في قسم الوفيات تم الاتفاق على أن يتم الدفن عصراً ، ولكن طلبوا منا أن يتم نقل جثمانها الآن لثلاجة المقبرة كي لا يتأخر الدفن عصرا ، كنت وأخيها نسير خلف الإسعاف وهي تحمل الجثمان الطاهر للمقبرة  كنت أبكي وأقول لأخيها في صباح الأمس وفي مثل هذا الوقت كنا نفطر سوياً ونلهو ونضحك وصباح اليوم أتبعها وهي جثة هامدة !! الله أكبر أي دنيا عابرة هذه التي نحيا بها !! وفي المقبرة طلب منا سائق الإسعاف أن نسرع بإنزال الجثمان حيث إنه مطلوب بمهمة أخرى وكان باب الثلاجة مقفلا مما اضطرنا إلى وضع الجثمان لعدة دقائق في مغسل النساء ريَثَما يحضر المسئول عن ثلاجة المقبرة ، في تلك اللحظات التاريخية من عمري بقيت وحدي مع هذا الجثمان الطاهر فقمت بإغلاق باب المغسل ثم استجمعت قواي  وتوجهت إلى حبيبتي وفتاتي المسجاة على الرخام الأبيض ! مددت يدي نحوها وهي ترتعش من رهبة الموقف ثم كشفت الغطاء عنها ببطأ شديد فظهر لي وجهها كانت عيناها مغمضتين إلا قليلا وبدى وجهها معافاً مليئاً بالحياة مما جعلني أشعر بأنها لم تمت بعد !! فأخذت أُناديها بصوت مخنوق بالعبرة  ( أم عمر أنا زوجك ) لقد كان صمتها مليئاً بالكلام ، وأخذت أسمع صوتها يهمس في داخلي  قـــائلاً ( حبيبي محمد ضمني إليك الضمة الأخيرة ! ) فقمت وبجرأة العاشق المحروم بتطويقها بين ذراعي وضمها إلى صدري حتى أحسست ببرد صدرها على صدري ، ولكن ما هذا الذي بدأ ينساب دافئاً على صــدري !!؟ يا إلهي إن دمائها الزكية ما زالت تنزف بغزارة من مؤخرة رأسها لقد كان جرحها غائرا رحمها الله وبدأ يعلو بكائي في المغسل ، وعندما أحسست بقدوم أحدهم أسرعت بتقبيل جبينها وتغطيتها نعومة الكفن ! :

وتمضي الساعات مريرة ويحين موعد الدفن عصراً ، ويدخلونني عليها بعد  أن غسلوها وكفنوها وإذ بي أرى عروساً تزف إلى قبرها ، وأقسى ما رأيته هناك  هو أمها وهي تمسح على كفنها وتقول ( كأن الكفن خشناً عليها يا بنات !! ) الله أكبر ومتى كان لأكفان الموت نعومة يا أيتها الثكلى ؟ ولكنه قلب الأم الذي ينبض بالرحمة ، وعندما اصطف الناس ورائي للصلاة التفت إليهم وإذا بأحد حفظة القرآن  خلفي فناديته صلِّ عليها يا أبا عبدالله فكان هو الإمام  وبعد التكبيرة الثالثة خاطبت ربي قائلاً ( اللهم إن حبيبك ونبيك محمداً صلى الله عليه وسلم قال ( أيما امرأةٍ ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة )، فاللهم إني أُشهدك أني راضٍ عنها كل الرضا فارض عنها يا رب العالمين ، اللهم إن حبيبك ونبيك محمداً صلى الله عليه وسلم  قال ( من خرج في سبيل الله فوقصـته دابته  فمات فهو شهيد ) ، فاللهم إنك تعلم أنها ما خرجت إلا لتعظ بك وتعلّم البنــات دينك فتقبلها يا رب شهيدةً عندك وأنت أكرم الأكرمين ، اللهم إن هذه الفتاة كانت تحت يدي ولطالما أكرمتها وهي الآن بين يديك الكريمتين وأنت أكرم من جميع خلقك وأرحم فأكرمها وارحمها يا أرحم الراحمين ) ووجدت نفسي أحمل النعش وقد بطل في نفسي الشعور بالدنيا وحولي المشيعون يمشون ، أنا أمشي لأنتهي إلى فراق حبيبتي ، وهم يمشون لينتهوا إلى آخر الطريق !! فشتان بين مشيي ومشيهم !! نزلت إلى القبر وفؤادي قد صار فارغاً من كل شيء  وعندما وضعتها في لحدها كشفت وجهها وإذ به بفضل الله متجها للقبلة فحمدت الله واستبشرت الخير لها ، وحينها كانت النظرة الأخيرة وكلمة الـوداع ( ألقاك بالجنة إن شاء الله .. وداعاً حبيبتي أم عمر ) ، وبدأ التراب ينهال على فتاة  قلبي وسكناه ، وقبضت حفنة من الأرض كانت تنتحب بين يدي وأرسلتها للقبر لكن جذوة حبي المشتعل هيهات أن يطفئها هذا التراب 0

قلب الرضيع :

 وبدأت ساعات العزاء عصيبة مريرة بطيئة ، وبدأ أطفالي يتلفتون ويبحثون  هنا وهناك ، كانوا يتصفحون وجوه النساء اللاتي أتين للعزاء وجهاً وجهاً ولكن أنى لهم أن يجدوا الوجه الذي يريدون! يا ويلتاَ ! لم تلتقِ عيني بعين طفلتي ( شهد ) حتى انفجرت تبكي ! أتبكين لي يا ابنتي أم عليّ؟ أهذا بكاؤك أيتها المسكينة  ، أم هو صوت قلبك اليتيم !؟ يا ابنتي إنما أنت بقايا فقيدتي ...يا صغيرتي أنت البقية الباقية !

ووجدت ( عمر ) يتنقل بين النساء وقد ظهر الانكسار على وجهه وكأنه أحسَّ حقيقة ضعفه وطفولتهِ  من تلك المصيبة التي نزلت بهِ ، وجلس ليس كعادته وكأن بينه وبين الشقاوة خصومة ، مستسلما هادئاً  تترجم هيئته معاني هذه الكلمة  ( أين أمي ) !؟ ثم تطير من عينيه نظراتٌ هنا وهناك ، كأنما يحس أن أمه حوله في الجوار ولكنه لا يراها !

 ( أسامة ) الرضيع بدأ يفتقد أمه وأخذ يبكي صارخا ماه ماه !! لم تحتمل والدتي هذا المنظر فطلبت مني

أن أذهبت به لمنزل أهل الفقيدة لعله يجد رائحة أمه بين شقيقاتها فيهدأ قلبه ، ولكن النساء اللاتي أتيّن للــعزاء هناك كان بعضهن يدخلن بالنقاب مما جعل الطفل يظن في كل لحظة وأخرى أن التي دخلت هـي أمه فلقد اعتاد أن يرى أمه بالنقاب إذا دخلت المنزل آنذاك ، وما أن ينزع النساء نقابهن ويرى الرضيع وجوههن حتى ينفجر باكيا من جديد ، وأخذ أهل الفقيدة يطلبون من كل منقبة قدمت للعزاء أن تنزع نقابها قبل الدخول على النساء كي لا ينكسر قلب هذا الرضيع ، آه يا رضيعي لقد لمست خشونة الدنيا منذ هذه الساعة ! كيف لا وقد فقدت الصدر الذي كنت تجد فيه لين الحياة ...انتهت يا طفلي المسكين أيامك من الأم فهذا هو قدرك المحتوم وليتك يا وليدي تتوقف عن البكاء فأنت رجل منذ هذه الساعة !

   

أنا والوحدة والحزن العميق :

إنني لم أحزن على قلوب أطفالي فقلوبهم ما زالت صغيرة على الألم  ولكني أشفق على قلبي الذي غدى يستعذب السهر ، ويبحث عن كل نغمة حزينة على الوتر ، لقد صرت أبحث عن كل شعر قافيتــه آه !! وكثيرا ما يسألني أحبابي كيف غدوت بعد رحيلها ؟ كنت أرد عليهم قائلاً لن تسعفني البلاغة في تسطير ما أشعر به وأعانيه لا سيما في هدأة الليل وسكونه ولكن ما ظنكم بمن فقد لباسه وسكناه !؟ إن الله وحده يعلم بالحال عندما قــــال ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) وهو القائل سبحانه ( هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ )  فأين لباس قلبي وسكناه !؟ لقد انطفأت حياتي برحيلها وغدت باهتة بعدها ، وأمست الأوتار التي كانت تطربني مسخاً من الأنياب تمزقني ، لقد كان طعم الحياة حلواً معها لا سيما عندما نسمر ليلاً نتجاذب أطراف الحديث ويكشف كلٌ منا قلبه للآخر، ويمضي الليل قصيراً بصحبتها آنذاك أما الآن فقد أصبح ليلي طويلاً للغاية ، ، وهكذا أصبحت في كل ليلة تراني أتصفح الذكريات وأنا مكتنف أطفالي بين يدي إذا غفوا أغفو وإذا صحا أحدهم أفيق ولطالمـا توددت إلى النوم العميق وقدمت له الهدايا والقرابين لعله يحنو عليّ ويدنو مني ولكن عبثاً أحاول وأبى إلا أن يهجرني ويرحل عن دياري !  وهكذا وفي غمرات الحزن والوحدة تجدني أبحر في ذكرياتنا التي لا شاطئ لها ! ورغم بعض الخلافات التي لا بد أن تقع بين كل زوجين إلا أنني لم أعد أذكر منها إلا ضمة التراضي وقُبلة اللقاء ورغم أنها أنجبت مني ثلاثة أطفال إلا أنها فارقتني ولم يزل خجلها خجل بكر وحياءها حياء عذراء لقد كانت في قمة الطهر والعفاف والنقاء 0

عجائب الأقدار !! :

ومن عجائب القدر أنني شعرت بالموت قبل رحيلها بثلاثة أيام فقط فكتبت وصيتي ، وخبأتها ، ولكنني فوجئت بفقدانها بعد ذلك ! وفاجئني زوج شقيقتي بعد وفاتها بإعطائي حقيبة يدها التي كانت معها في الحادث الأليم وإذ بي أجد وصيتي بداخلها ! إنها والله تمازج روحينا الذي جعلني أظن موتها موتي  ووصيتي وصيتها !!

ومن عجيب أمر هذه الفتاة أنها وُلدت في الشهر التاسع من السنة ، وخطبتها في الشهر التاسع ، وتزوجتها في الشهر التاسع أيضاً وأنجبت طفلتها ( شهد ) في الشهر التاسع ! وماتت في الشهر التاسع !! وأنزلت إلى قبرها في الشهر التاسع !! فيا لعجائب الأقدار ! أكانت تلك الفتاة تحمل سراً عظيماً في قدرها !؟  فيوم ميلادها وعرسها وإنجابها هو يوم فراقها ورحيلها وقبرها !!!

رجوعها بعد الموت !! :

وفي اليوم الثالث للعزاء أذكر من بين الحضور مؤذن المسجد الشيخ ( محمود ) )  وهو رجل يفيض صلاحا وخلقا ودينا وقد منّ الله عليه بحفظ القرآن الكريم منذ صغره وقد ابتلاه الله قبل أكثر من ثلاثين سنة  بموت ثلاثة من أولاده دفعة واحدة في حادث سيارة أليم وهم متوجهين مشياً على أقدامهم إلى المدرسة فما كان منه إلا أن  صبر واحتسب حتى ضعف بصره وظهر في عينيه بياض من شدة الحزن ، وقد أمسك أهل القرية آنذاك بالسائق الذي صدم أطفاله وأحضروه إليه ليقتص منه فما كان منه إلا أن عفا عنه وأفلته ،  ومنذ ذلك الحين آثر الخلوة مع الله والانقطاع عن هذه الدنيا فهاجر إلى الكويت وعمل مؤذنا  وعاش حياته في أروقة المساجد والمحراب ،  ولقد فوجئت بأهل المسجد في اليوم الرابع من الوفاة  يخبروني بأن مؤذن المسجد الشيخ الصـالح ( محمود ) يبحث عني لأمر هام جداً  فتوجهت إليه مسرعاً فوجدته جالساً في غرفته داخل المسجد يتلو القرآن ، ولما رآني قال لي أين أنت يا ولدي عندي أمانة مهمة لك فقلت له أمانة مِمنَ ؟ فقال اسمع يا ولدي  لقد اعتدت في كل يوم أن أجلس بعد صلاة الفجر إلى أن تشرق الشمس لتلاوة الأذكار ، والذي حدث اليوم بعد صلاة الفجر هو أنني جلست أتلو القرآن وفجأة أحسست بنعاس شديد جعلني أغفو وكتاب الله بين يدي ، وما إن غفوت حتى رأيت امرأة تلبس لباساً شرعياً وقد وقفت عند رأسي ثم قالت ( السلام عليكم ورحمة الله يا شيخ ! ) فقلت وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته :  إنتِ مين يا بنتي !؟ فقالت  ( أنا أم عمر زوجة محمد المليفي !! ) فقلت لها الله أكبر كيف حالك يا بنتي إنشاء الله بخير ؟ فقالت ( أنا بخير والحمد لله وقد أتيتك بثلاث وصايا أريدك أن توصلها لأهل زوجي ) فقلت لها تفضلي يا بنتي فقالت ( الرسالة الأولي أن تبلغوا سلامي على أم محمد المليفي وتخبروها أن تدعوا لي وتغفر لي أي زللٍ في حقها، والرسالة الثانية أن تخبر زوجي أن لا يترك أطفالنا عند الخدم !!! والرسالة الثالثة أن تخــبر أبا عمر أن يعمل على بِـِّر والدته وأن لا يقصر في حقها أبداً ، وهذه هي رسائلي التي أرجو منك إيصالها لأبي عمر ) فقلت لها سأوصلها له بإذن الله هل تريدين شيئاً آخر ؟ فقالت ( لا... جزاك الله خيراً ثم رحلت ! ) يقول الشيخ : وبينما كنت أنظر لزوال قفاها فتحت عيني وإذ بي لا أرى أحداً أمامي فقمت من مكاني كي أتأكد هل هذه رؤيا أم حقيقة لأن صوتها ووصاياها ما زالت  ترن في أُذنـي ! أردت أن أفتح الباب ،، فتذكرت أنني قد قفلت الباب على نفسي قبل أن أغفو فأدركت حينها أن روح زوجتك هي التي قدمت إليّ وهذه هي وصاياها يا ولدي ..

n كان لخبر الرؤيا وقع عظيم على قلبي وخرجت من المسجد باكياً  وقد أدركت يقيناً أن ( أم عمر ) أرادت أن تنبهني بأنها هي التي حضرت لا سيما عندما قالت للشيخ ( أن لا يترك أطفالي عند الخدم ! ) فهذه هي عبارتها التي لا يعلم بها أحد سواي وكانت تخصني بها قبل وفاتها بأيام وجاءت لترددها وهي في عالم الأرواح والبرزخ لقد أخبرتني بتلك العبارة ، وعجبت لها آنذاك كيف توصيني على أطفالي وهي مفعمة معي بالحياة ، فلما قضى الله فيها قضاءه علمت أن ذلك أمرٌ من أمر الروح ، فكان الإلهام لها أنها على باب قبرها ، ولن تعيش أكثر كي ترعى زوجها وأطفالها !! 0

( لا يترك أطفالي عند الخدم !!! ) آه يا فقيدتي كم تمنيت أن تدرك روحك أنني أحمل قلب أُمٍ في جسد أَب وأسأل الله أن لا يحـرمني أجرهم.. لقد كان لرؤيا الشيخ وقعٌ عظيمٌ على قلبي وعلى قلب والدتي رحمها الله  وعلى قدر ما كنت أحس بالحرقة والغصة التي ملئت قلبي بفقدها إلا أنني شعرت بشيء من الارتياح والطمأنينة عليها من هذه الرؤيا الكريمة

كيف زرتها وكيف زارتني !؟ :

وفي يوم الجمعة أي بعد مضيّ خمسة أيام على رحيلها ذهبت إلى بيت الله متجرداً من الدنيا ليس لي منها إلا جسمي ولباسي ، صليت الفجر وقبل أن تشرق الشمس ركبت السيارة وتوجهت  إلى المقبرة وحدي ، دخلت المقبرة والذكريات تعتصر قلبي والعبرات تتسابق على خدي00 ترجلت من السيارة وأخذت أسير إلى قبرها حافي القدمين ، وتحسب قدمي من البطء والتخاذل لا تمشي بل تتزحزح قليلاً قليلاً فكأنهما واقفتان ..

وقفت عند ضريحها ثم جثوت على ركبتي وأخذت أُسوي تراب القبر بيدي ومن غير أن أشعر وضعت خدي على الضريح وأخذت أهمس في تربتها ، وأخذت أدعو الله لها بالخير ثم رحلت  ..

وعندما وصلت البيت وجدت أطفالي الثلاثة يغطون في نومهم عند والدتي الكريمة ، لم أجرؤ للذهاب وحدي لغرفة النوم منذ ليلة الرحيل الكئيبة فأخذت أصعد وحدي وألم الفراق يمزقني ، وهناك ألقيت نفسي على السرير لعلي أجد شيئا من رائحتها فيسكن قلبي ، ومن شدة التعب والسهر وجدت نفسي أغفو على السرير وما إن غفوت حتى رأيت في غفوتي   ( أم عمر ) قادمة إليّ من بعيد وهي تقترب مني وتقترب إنني أراها وأخذت أناديها تعالي يا أم عمر لقد رأيتها تلبس ثوباً أبيض أكمامه قصيرة وكأن شعرها يقطر ماءً وأخذت تقترب مني وتقترب حتى إنني لم أعد أرى إلا وجهها ملتصقاً في وجهي لقد رأيت وجهها أبيض جداً وجميلاً للغاية ولكنها كانت مغمضة عيناها وصامته لا تتكلم معي إطلاقاً وأنا أكلمها وفجأة أخذت تفتح عينيها ببطء وأخذت تنظر إليّ بوجه يفيض بالنور ووجدت نفسي أبكي وأناديها وإذ بها ومن دون أن تكلمني تحتضنني إليها وتضمني إليها بضمة قوية مليئة بالشوق والمحبـة والضمة تزداد قوة وتزداد حتى إنني من قوتها لم أشعر إلا وأنا أفتح عيني وأردد اسمها..

قمت من السرير وأخذت أنظر في أرجاء الغرفة يا إلهي لقد رأيت أم عمر في المنام لقد جاءتني أم عمر..نظرت إلى الساعة وإذ بالساعة تشير إلى السابعة والربع صباحاً لقد غفوت ربع ساعة فقط ، ونزلت مسرعاً لوالدتي أبشرها بالرؤيا ..

بعد شهرين من الحرمان !

وها هو الآن يمضي فصل الصيف ويحل الخريف منذراً بقدوم الشتاء ، ووجدت نفسي أرقب الشجر كيف تتساقط أوراقه وتبقى أغصانه عارية من لباسها وكأنها قد اقترفت ذنباً تعاقب عليه فتحرم من رونقها ودفئها ثم يأتي الشتاء القارس ليزيدها عذاباً وحرماناً فتنحل وتذبل ‍‍‍‍!! فوقفت أحدثها قــائلاً ::  كفاكن حزناً يا شجراتي !! فقد ذهب ربيعي مثل ما ذهب ربيعكن ولم يبق ثَمةَ ربيع في قلبي فكلانا يشعر بقسوة البرد ، ولستن فقط اللاتي فقدتن لباسكن حتى أنا يا شجراتي فقدت دفئي وسكني  ولباسي00 وكأني شعرت بإحداهن تهمس في أذني قائلة : هلا كسوتنا !؟ فانحنيت عند الغصن وهمست له ( فاقد الحب لا يعطيه ) !!  وهكذا صارت هواجسي وأحاسيسي تنبض بالحرمان دوماً منذ أن رحل عني بستاني الأخضر ! نعم يا أم عمر لقد كنت لي بستاناً أتفيء فيه ولباساً أتزينه وقصراً أسكنه ، فما حال من حُرم كل هذا ؟

 

وما زلت عند حقيبتي المبعثرة !

00000 اسمع أحدهم يناديني محمد أين أنت يا محمد ؟ إنها والدتي الكريمة ( رحمها الله ) تدعوني لوجبة الغداء ، لم أنتبه لنفسي كم سرح بي الخيال !! آه ما هذه الذكريات الحزينة التي جاءت تبحث عن دموعي فأخذت من جديد أجمع صورها التي نثرها أطفالي ، أخذت أقلب عيني في صورتها وأشعر أن روحي تذوب فيها ، وكأن الحب الذي بدأ في أول نظراتي إليها يبدأ في كل نظرة لها من جديد !

كفكفت دمعي سريعاً وأرجعت الحقيبة إلى الخزانة ولساني يتمتم : كم هو قاسٍ عليّ رحيلك يا أم عمر ولقد وددت أن يأخذ الله من عمري ويعطيه لكِ ولكن ( لكل أجلٍ كتاب ) وإني على فراقك لحزين وحزين وحزين وستبقين مخلدةً في ذكراي ما حييت أبداً  وسيضل محيّاك الوسيم ماثلاً أمامي حورية تحلق في أفق السماء00000000 وداعا يا حبيبتي أم عمر وداعاً وألقاك بالجنة إن شاء الله 0

المكلوم   ( محمد المليفي أبوعمر )

                                                                                                        16/6/1998

وبعد أن مــر عام !!

وبعد مضيّ عــام على رحِيـلِها

ها أنذا أعاود الكتابة من جديد يا أم عمر وفي يدي القلم وطيفك قريب مني أكاد أحسه وألمسه رغم  تباعد ما بيننا لأن كل ما فيك هو في قلبي ، ومع أن رحيلك هو قاتلي إلا أنني استعذب ذكراك واستروح بمعناك ،  ويعلم الله وحده أنني ما زلت أشعر أنك ستدخلين عليّ في كل لحظة ! ورغم أني أنا الذي قبرتك بيدي هاتين إلا أنني ما زلت أشعر أنني في حلم مزعج وليس في حقيقة مرة !! هل حقا أنا فقدت أم عمر الغالية هل حقا رحلت عني فتاتي وصغيرتي !! هل سأبقى محروماً من تلك الضحكات واللحظات الحانية ..آه يا صغيرتي منذ أن رحلتِ كأنما أُفرغ في قلبي كل آلام الناس وتوجعهم وأصبحت كمن يعيش مع الأموات لا مع الأحياء ! آه ثم آه  وواهاً لصدري المحزون ، ووالله يا صغيرتي لم يعد للفرح والمرح طعم عندي ، فها أنذا قد تخرجت بعد رحيلك من الجامعة بتقدير عال جدا ومع هذا خرجت من الجامعة ذلك اليوم وبكائي يملأ أرجاء السيارة من النحيب ، أبكي وأقول لن تجد أحداً سيفرح لك مثلها يا أبا عمر اللهم إلا والدتي آنذاك ( رحمها الله )  فهي التي نذرت نفسها لي ولأطفالك من بعدها حتى توفاها واسأل الله العظيم أن يعينني على برّها بعد وفاتها ولا يحرمني أجرها آمين يا رب العالمين  وأسأله سبحانه أن يأجرني في مصابي بكِ وأن يعينني على تربية أطفالك من بعدك وأن يعرفوا قدر ما عملته وأعمله لهم إذا كبروا ، أي أميرتي لو أن شعراء الأرض جميعاً اجتمعوا على صعيد واحد وقدم كل واحد منهم رثاءً فيك فلن تعبر قوافيهم عن شوقي إليك وعزائي فيك ... فلك مني عبراتي ووجدي ودمعي !! سلام من قلبي يغشى ضريحك الطاهر وإلى لقاء قريب يا أم عمر وألقاك بالجنة إن شاء الله 0

                                                                                         21/9/1998 !!

                                                                                          أبو عمر وشهد وأسامة

 

 

 

$ منذ أن رحلت الغالية صرت دائم التفكير بها وكثير الحديث عنها ، وكلما وجدت من يود الاستماع عنها تجدني ومن غير أن أشعر أسرد قصصا ومآثر من حياتي معها 00000 وهكذا المحب يحب من يذكره بحبيبه ، فكيف إذا كانت الحبيبة هي ( نوال ) !؟  ومن ضمن من بكيت بين يديه وأنا أحدثه عنها هو الوالد والشيخ الفاضل أحمد غنام الرشيـــد الحمود ( أبو عبد الرحمن ) حفظه الله ،  وهذا الشيخ الكريم لطالما كان يحنو عليّ ويقدرني ومنذ أن كان عمري ثلاثة عشر سنة كان يحرص على تأديبي وتعليمي ونصحي ولطالما كان عوناً لي بعد الله سبحانه وتعالى في همومي وأحزاني ، وهو مع هذا فهو صاحب قلب رقيق رحيم وذوق عال رفيع وقريحة شعرية متوقدة ، واذكر أنني خرجت معه للعشاء وكان حديثنا كله عن محبوبتي وكيف كان رحيلها وكيف صار حالي بفراقها فما كان منه إلا أن تأثر في تلك الأمسية تأثراً عظيما وأخذ يكفكف دمعه طيلة الطريق  ولقد أهدى لي بعد تلك الأمسية الحزينة مرثية عظيمة في أم عمر رحمها الله وقدمها بمقدمة طيبة وقد كتبها بخط يده الجميل وها أنذا أنقل المرثية والمقدمة كما جاءتني كاملة ::

عندمَا حدثني الابن والأخ محمد يوسف أحمد المليفي عن زوجته ( نوال ) من حين دخوله بها إلى أن ودعته الوداع الأخير وذلك بوفاتها بحادث سيارة رحمها المولى رحمة واسعة واحلَّ روحها في محال الأبرار انتابني حزن عميق وأسىً لا أكاد أن أتصوره ، وعندما رجعت إلى المنزل وجلست في غرفتي الخاصة تحركت عندي الشاعرية وبدأت بنظمِ هذه القصيدة على لسان حاله : فقلت :

ألا أيها الزوجُ التي أُودعت قـــــبرا                  وضـاعف ربي عند فِقدانها الأجــرا

    نــأيتِ وخلّفت الفؤاد متيمـــــاً                  بعُــدتِ وكان البُعدُ يا منيتي دهـرا

أراكِ بـنومي تارةً ثم أنثــــني                  أراكِ وقد أطفأت لي الكبدَ الحَـــــرَّا

أراكِ بأولادي صـباحاً وهــكـذا                  أراكِ مســاءً يا لها طلعةً غَـرَّا

أأنســـاكُم يا قُرةَ العَــــينِ إن ذا                  محالٌ وقلبي قد غدا لكمُ قـــبرا

فما لذ لي طَعْمُ الطَّعامِ بِـُبعْـدِكُـــم                  ولا لذ لي شُربٌ عسى أُلهمُ الصـــبرا

( نوالٌ ) بِكِ نلنا المسرة واــهـنا                  وكنت نوالاً دائما يملأ الصـــدرا

مُحـيَّـاكِ صدقاً فاق شمساً مــــنيرة                  كما فاق نورٌ منكـم ذلك البدرا

سلامٌ عليكِ عطرهُ يملأُ الفضـــــا                  وأمسى يفوق الند والمسك والعطــرا

سلامٌ مدى الأيامِِ يغشى ضريحكم                   سلامُ محبٍ لم يزلَ فيكم مُغــــرا

فأسألك اللهم يا بارئ الــورى                  تجود برحماتٍ على قبرهـــا تتـــرا

وتُلهِمني الصبر الجميل بفقدهـــا                  وتــبدلني من بعد ضائقتي يســـرا

وَبعدُ سَأُهدي سامِيَ الذكر سيدي                 محمد المبعوث بالملة الغــــــرا

صلاتي وتسليمي عليه مؤبـــــداً                  على آله والصحب نالوا به فخـــرا

                   محبكم ووالدكم ( أبو عبد الرحمن ) أحمد غنام الرشيد 0

 

رسائل الأحزان !!

علاقتي مع الشيخ محمد العوضي تعدت الحواجز لأنني عرفته مذ كنت غِراً صغيراً أي لم أعرف الحواجز بعد ! علاقتي معه لها أشكال متعددة فهي بين حبيب ومحب ومعلم ومتعلم وأخ أكبر وأخ أصغر وأسرارٍ وبئر وعطف وود وشجن !

ولطالما أفرغ لي ما في قلبه وأفشيت له ما في صدري ولطالما كنت معه في فرحتي ولطالما كان معي في لوعتي فلك مني يا أبا أحمد كل تقدير واحترام وإني أقسم بالله العلي العظيم أني أحبك في الله 0000000000

لازمني العوضي طيلة أيام المحنة ولطالما كفكف دمعي وخبأ دموعه عني وفي ليلة من ليالي الألم كنت جالساً عنده أبث له لوعتي وهمي وحرقتي فطلب مني المبيت عنده ولكني لم أستطع ترك أطفالي ، فأوصلني إلى داري وودعني وعند رجوعي من صلاة الفجر وجدت رسالة على جهاز الفاكس مذيلة باسم العوضي فكانت هذه رسالته وكانت هذه رسالتي 0 

 

حفظك الله 0000 أيها العزيز

أخي وصديقي 000000 محمد المليفي                                            وفقه الله لكل خير 0

الساعة الآن تقترب من الواحدة بعد منتصف الليل ، أجلس وحدي ، السكون مطبقٌ على المكان ، وليس حولي من صوت إلا عقارب الساعة التي أمامي تسير بانتظام فتأكل بكل حركة لحظةً من عمري ، وكأن عقرب الثواني فيها ينادي عليّ بكلمات الإمام الحسن البصري رحمه الله :

( يا ابن آدم إنما أنت أيام ..كلما ذهب يومك مضى بعضك ! )

بعد أن قرأت معك البارحة خاطرة " وحي الصورة " للشيخ علي الطنطاوي من كتابه ( صور وخواطر ) أثــارت فيك الشجون ، وأخذتَ تُحدثُني عن عزيزتك ( أم عمر ) التي ودعتك إلى عالم البرزخ ، ورأيتُ عَيْنَيكَ تَحْمَرْ وأنت تحاول أن تقاوم الدموع ولكن خانتك الأجفان ، فبكيتَ على فقيدتك وحقٌ لمثلك البكاء 000!!

طلبتُ منك أن تبيت عندي وتغادرني بعد صلاة الفجر ، ولكنك أبيت 0000 وبعد أن أوصلتك إلى منزلك ، رجعت وقرأتُ رسالة " أفراح الروح " ثُم سرحتُ ورجعت بالذاكرة إلى أيام الطفولة البريئة 000 ثم أيام الصبا الذي نشأت فيه بين المساجد والصالحين 0000 وطاف على عقلي عشرات الراحلين عن الدنيا من معارفي كباراً وصغاراً 0000 أين ذاك الشباب ؟ وأُولئك الأصحاب ؟ وبقية الشيوخ الصالحين ؟ 

ذكرياتٌ جميلة  وحزينة  أشجان وألوان وأخيراً ذكرتُ حالك ومأساتك ، وعلمتُ أن أحداً لا يعلم ما يعتلج في نفس ( المليفي ) إلا هو وحده يعرف ويحمل همومه وعذابه هو وحده يشرق بدموعه  وحده يسمع دقات قلبه  وحده ينادي على نفسه أين أنت يا أم عمر0000!؟

حزنتُ حُزناً كبيراً على حالك انتابني شعورٌ غريب أليم اغرورقت عينايّ بالدموع وأخذت أُردد ( يا رب  يا رب رحماك بهذا المصاب آجره في مصيبته صبره على بلواه آنس وحشته وثبت فؤاده إنك سميع مجيب آمين آمين أخي العزيز استعن بالله  وذكرنا بالله وكن من الذين قال الله عنهم ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون )                وأنا في خدمتك 0000000 وفقك الله ، وفقك الرحمن 0

                                                                           أخوك ومحبك ( محمد العوضي )

 

إلى  صديق الروح :                                      

                                                   محمدالعوضي أبي أحمد حفظه الله وأحسن خاتمته

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :

في الوقت الذي كنت تقرأ فيه ( أفراح الروح ) وترقرقت عبراتك لحالي  ومصابي  ، كنت أنا وقتها أحاول أن أغفو بين  أطفالي الثلاثة  ولو غفوة متواضعة  ، وبينما كنت  بمنتصف الغفوة  إذ يصحو أُسامة  ـ باكياً ـ فقمت أتحسس بالظلام فراشه وما أن لمست يداي جسده الطريّ  حتى سكن وهدأ وما هي إلا لحظات حتى رجع  لنومه  وتركني أتجرع الوحدة وحدي !

في تلك اللحظة أخذت أهمس في نفسي  هامساً  " لولاك يا طفلي الحبيب لكنت  نائماً عند صديق روحي العوضي " ويمر الوقت حالكاً 0000 قاسيا 0000 بطيئاً ، وليس لي من أمنية حينها إلا أن ينام صغاري نوما عميقا كي  يتسنى لي النوم إلى الفجر لعل هذا النوم المتصل أن يفصلني ولو برهة من الزمن عن عالم الوحدة والشوق والوجد !  وبعد أن غفوت على مضض ! أتي الدورعلى  طفلتي " شهد "   بابا000 بابا أبي ماي ! هي في الحقيقة لا ترغب  بالماء ولكنها ترغب بصدر حان  يضمها بين جنباته  تماما كما يريد أبوها أمها التي عفرها التراب !!

بعد أن ضممتها أرسلتها لفراشها لتغط في نومٍ  لا ألم  فيه ولا هم ، ونامت طفلتي وبقيت أسترحم النوم وأسترجيه أن يزورني ، وهاتفٌ في نفسي يقول هل يا ترى قد أدرك صديقي لِـــمَ  لَم أستطع النوم عنده !!؟

لحظات وإذ بنداء الفجر" الصلاة خير من النوم " ويتكرر النداء ثانية ً ولكني أسمعه هذه المرة ينادي " الصلاة خير من السهر والكدر " فقلت صدقت وبررت !!

 بعد الفجر أخذت أردد " حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم " دخلت البيت وشعورا غريباً يجرني لغرفة  المكتبة  وإذ بورقةٍ  يتيمةٍ ملؤها العطف والحنان على جهاز الفاكس 00000000

أخذت أقرأها وعندما ختمتها أخذت أردد بنفسي سبحان الله سبحان الله ! لعل أبا أحمد قد أخطأ باسم الرسالة التي أثارت شجونه من كتاب الطنطاوي 0000 انه"  لـقاء الروح " وليس أفراحها !!

                                                                      

 

                                                                                                                أبوعمرمحمد المليفي

فجر السبت 1/11/97

 

 

للأعلى